الصفحة 494 من 1282

والذي يصلى النار الكبرى يخلد في عذابها ، فلا يموت فيها ، فيستريح مما هو فيه من العذاب ، ولا يحيا حياة طيبة هنيئة ينتفع أو يسعد بها ، كما قال تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر 35/ 36] .

وسبب تخصيص الكافر بالذكر: أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية ، فيكون القرآن ساكتا عن الشقي الذي هو أهل الفسق.

وبعد وعيد الأشقياء الذين أعرضوا عن ذكرى القرآن ، ذكر وعد السعداء الذين يعنون بتزكية نفوسهم وتطهيرهم من الشرك والتقليد في العبادة ودنس الرذائل ، فقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى أي قد فاز ونجا من العذاب من تطهّر من الشرك ، فآمن باللَّه ووحّده وعمل بشرائعه ، وتعهد نفسه بالتزكية والتهذيب والتطهير من الرذائل والمفاسد والأخلاق الوضيعة ، وتابع ما أنزل اللَّه تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

وذكر بلسانه اسم ربه بالتوحيد والإخلاص ، وتذكر ربه العظيم في قلبه ، فأقام الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها ، ابتغاء رضوان اللَّه ، وطاعة لأمر اللَّه ، وامتثالا لشرع اللَّه ، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ ، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال 8/ 2] .

وروى أبو بكر البزار عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَخَلَعَ الأَنْدَادَ ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } قَالَ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا. [1] ."

ثم وبّخ المؤثرين الدنيا ، المهملين أمر الآخرة ، فقال: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى أي لا تفعلون ما أمرتم به سابقا ، بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا ، والآخرة ونعيمها أفضل وأدوم من الدنيا ، وثواب اللَّه في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى ، فإن الدنيا دار فانية ، والآخرة شريفة باقية ، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى ، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد ؟ !!

أخرج الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ" [2] .

وأخرج أحمد عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى » . [3] .

(1) - كشف الأستار - (3 / 80) (2284) وهو ضعيف جدا

(2) - شعب الإيمان - (13 / 185) (10154 ) ومسند أحمد - المكنز (25153) صحيح

(3) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (3 / 370) (6751) والمستدرك للحاكم (7853) وصحيح ابن حبان - (2 / 486) (709) ومسند أحمد - المكنز (20227) حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت