الصفحة 500 من 1282

الحياة الدنيا على الآخرة ، وشغلوا بها عن ذكر اللّه ، وإقامة الصلاة على تمامها وكمالها ، في إخلاص ، وخشوع ، وإخلاء القلب لها من هموم الحياة وشواغلها ..

فإن الصلاة إذا لم تستوف أركانها ، ولم يدخل فيها المصلى بعد ذكر اللّه ، واستحضار جلاله وعظمته ـ كانت مجرد حركات ، يخشع لها قلب ، ولا تنتعش بها روح!! إنها إن لم تكن نفاقا مع الناس ، كانت نفاقا مع الإنسان ونفسه واختيانا من الإنسان للأمانة التي اؤتمن عليها ، ليؤديها إلى روحه ، وقلبه ، غذاء وضياء! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في وصف المنافقين: « وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا » (142: النساء) .

وهؤلاء الذين قصروا في ذكر اللّه ، وفى الصلاة القائمة على ذكر اللّه ، قد بخسوا أنفسهم ، لأنهم آثروا الفانية على الباقية ، اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، « وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى » .

قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى » .الإشارة هنا إلى ما تحدثت به الآيات السابقة ، من أن من آثر الحياة الدنيا ، واستغواه غيّها وضلالها ، فإن النار مأواه ، وأن من ذكر اسم ربه فصلى ، فإنه من أهل الفوز والفلاح ـ فهذا الذي تحدثت به الآيات هو من الحقائق الكبرى الخالدة ، التي حملتها كتب الأنبياء السابقين ، ومنهم إبراهيم وموسى ..

وفى اختيار إبراهيم وموسى من بين الأنبياء والرسل ، إشارة إلى أن إبراهيم هو أبو الأنبياء ، وشريعته من الشرائع الأولى ، وعلى امتدادها جاءت شريعة موسى ، ثم شريعة الإسلام .. [1]

وفي هذه الآيات:

1-تقرير توكيدي لفلاح ونجاة الذين يتزكون ويذكرون ربهم ويصلّون له.

2-وخطاب موجه إلى السامعين فيه تنبيه بأنهم يؤثرون الحياة الدنيا ، في حين أن الآخرة هي خير وأبقى لهم ، وبأن هذه الدعوة التي يدعوهم إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست بدعا وإنما هي حلقة من سلسلة دعوة أنبياء اللّه الأولين والكتب المنزلة عليهم وخاصة كتب موسى وإبراهيم.

والآيات متصلة بسابقاتها اتصالا وثيقا ، وفيها ذكر مصير الذي ينتفع بالذكرى ويخشى العاقبة وتتمة للكلام عنه بعد ذكر مصير الشقي الذي يعرض عنها.

وكلمة «تزكى» تحتمل في الآية معنى التطهير أو أداء الزكاة غير أن تلازم ذكر الصلاة والزكاة في جلّ المواضع القرآنية قد يسوّغ الترجيح بأن المقصد هنا هو زكاة المال. وإذا صح هذا كانت الدعوة إلى الزكاة والحثّ عليها قد لازما الأمر بالصلاة والحث عليها منذ بدء الدعوة. وقد يفسّر هذا الموقف المتجهم الذي وقفه الأغنياء بالإجمال من الدعوة منذ بدئها.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1535

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت