حال فهي من القسم الذي كانت تعنيه تسمية القرآن في بدء الدعوة مثل سورة الفاتحة ، والذي احتوى عرض أهداف الرسالة المحمدية والدعوة إليها على ما هو المتبادر ، واللّه أعلم. [1]
فذكّر . . وسينتفع بالذكرى { من يخشى } . . ذلك الذي يستشعر قلبه التقوى ، فيخشى غضب الله وعذابه . والقلب الحي يتوجس ويخشى ، مذ يعلم أن للوجود إلهًا خلق فسوى ، وقدر فهدى ، فلن يترك الناس سدى ، ولن يدعهم هملًا؛ وهو لا بد محاسبهم على الخير والشر ، ومجازيهم بالقسط والعدل . ومن ثم فهو يخشى . فإذا ذُكر ذكر ، وإذا بُصر أبصر ، وإذا وعظ اعتبر .
{ ويتجنبها الأشقى } . . يتجنب الذكرى ، فلا يسمع لها ولا يفيد منها . وهو إذن { الأشقى } الأشقى إطلاقًا وإجمالًا . الأشقى الذي تتمثل فيه غاية الشقوة ومنتهاها . الأشقى في الدنيا بروحه الخاوية الميتة الكثيفة الصفيقة ، التي لا تحس حقائق الوجود ، ولا تسمع شهادتها الصادقة ، ولا تتأثر بموحياتها العميقة . والذي يعيش قلقًا متكالبًا على ما في الأرض كادحًا لهذا الشأن الصغير! والأشقى في الآخرة بعذابها الذي لا يعرف له مدى: { الذي يصلى النار الكبرى . ثم لا يموت فيها ولا يحيا } . .
والنار الكبرى هي نار جهنم . الكبرى بشدتها ، والكبرى بمدتها ، والكبرى بضخامتها . . حيث يمتد بقاؤه فيها ويطول . فلا هو يموت فيجد طعم الراحة؛ ولا هو يحيا في أمن وراحة . إنما هو العذاب الخالد ، الذي يتطلع صاحبه إلى الموت كما يتطلع إلى الأمنية الكبرى!
وفي الصفحة المقابلة نجد النجاة والفلاح مع التطهر والتذكر: { قد أفلح من تزكى . وذكر اسم ربه فصلى } . .
والتزكي: التطهر من كل رجس ودنس ، والله سبحانه يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه ، فاستحضر في قلبه جلاله: { فصلى } . . إما بمعنى خشع وقنت . وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي ، فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال الله في القلب ، والشعور بمهابته في الضمير . . هذا الذي تطهر وذكر وصلى { قد أفلح } يقينا . أفلح في دنياه ، فعاش موصولًا ، حي القلب ، شاعرًا بحلاوة الذكر وإيناسه . وأفلح في أخراه ، فنجا من النار الكبرى ، وفاز بالنعيم والرضى . .
فأين عاقبة من عاقبة؟ وأين مصير من مصير؟
وفي ظل هذا المشهد . مشهد النار الكبرى للأشقى . والنجاة والفلاح لمن تزكى ، يعود بالمخاطبين إلى علة شقائهم ، ومنشأ غفلتهم ، وما يصرفهم عن التذكر والتطهر والنجاة والفلاح
(1) - التفسير الحديث ، ج 1 ، ص: 518