الصفحة 507 من 1282

، ويذهب بهم إلى النار الكبرى والشقوة العظمى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وأبقى } . .

إن إيثار الحياة الدنيا هو أساس كل بلوى . فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض عن الذكرى؛ لأنها تقتضيهم أن يحسبوا حساب الآخرة ويؤثروها . وهم يريدون الدنيا ، ويؤثرونها . .

وتسميتها { الدنيا } لا تجيء مصادفة . فهي الواطية الهابطة إلى جانب أنها الدانية: العاجلة: { والآخرة خير وأبقى } . . خير في نوعها ، وأبقى في أمدها .

وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير . لا يقدم عليهما عاقل بصير .

وفي الختام تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة ، وعراقة منبتها ، وامتداد جذورها في شعاب الزمن ، وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكان: { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } . .

هذا الذي ورد في هذه السورة وهو يتضمن أصول العقيدة الكبرى . هذا الحق الأصيل العريق . هو الذي في الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى .

ووحدة الحق ، ووحدة العقيدة ، هي الأمر الذي تقتضيه وحدة الجهة التي صدر عنها . ووحدة المشيئة التي اقتضت بعثة الرسل إلى البشر . . إنه حق واحد ، يرجع إلى أصل واحد . تختلف جزئياته وتفصيلاته باختلاف الحاجات المتجددة ، والأطوار المتعاقبة . ولكنها تلتقي عند ذلك الأصل الواحد . الصادر من مصدر واحد . . من ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى . . [1]

ما ترشد إليه الآياتُ

1-المطلوب تذكير الناس وموعظتهم ، سواء نفعت الذكرى أم لم تنفع ، ولكنها في النهاية لا تنفع إلا المؤمنين الذين يخشون اللَّه ربهم ، قال الحسن البصري: الذكرى تذكرة للمؤمن ، وحجة على الكافر. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع.

2-يتجنب الذكرى عادة ويبعد عنها الشقي في علم اللَّه الكافر ، الذي يصلى ويدخل النار الكبرى ، أي العظمى ،وهي السفلى من أطباق النار ، أو أن نار جهنم هي الكبرى ، والصغرى نار الدنيا.

وإذا دخلها الكافر خلّد فيها إلى الأبد ، فلا يموت فيستريح من العذاب ، ولا يحيا حياة تنفعه..

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3894)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت