الصفحة 516 من 1282

سحبهم على وجوههم في جهنم ، إلى صرخات الويل والثبور التي تملأ الآفاق من حولهم ، فكل هذا وكثير غيره من الأهوال ، تنطبع على وجوههم آثاره ، قتاما وعبوسا ، ورهقا ..

وقوله تعالى: « تَصْلى نارًا حامِيَةً. تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ » .هو صفة لهذه الوجوه ، وما يرد عليها من مساءات .. إنها « تَصْلى نارًا حامِيَةً »

أي تعذب بنار حامية .. وفى وصف النار بأنها حامية ، إشارة إلى أنها نار ذات صفة خاصة ، على خلاف المعهود من نار الدنيا .. فكل نار ، حامية ، وهذا الوصف الوارد على النار ، يعطى وصفا جديدا لها.

وهذه الوجوه أيضا ، تسقى من ماء حار ، يغلى في البطون كغلى الحميم.وإسناد هذه الأفعال إلى الوجوه ، لأن الوجوه ، هى عنوان الذات الإنسانية ، وهى وحدها التي تحدّث عن ذات الإنسان ، وتدل عليه .. فالناس يتشابهون أجسادا ، ولكن الذي يفرق بين إنسان وإنسان هو الوجه الذي يجعل لكل إنسان صورته التي يعرف بها بين الناس .. إن الوجه هو الذات الإنسانية بكل مشخصاتها ومقوماتها ، ولهذا كان له هذا الشأن في موقف الحساب والجزاء ، وما يلقى الإنسان هناك من نعيم أو عذاب ، إن كل صور العذاب والآلام تنطبع عليه ..

قوله تعالى: َيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ »..

عدل هنا عن الحديث إلى الوجوه ، واتّجه به إلى أصحابها ، لأن الطعام لا يساق إلى الوجوه وإنما يساق إلى البطون ، ثم تنطبع آثاره على الوجوه ..

وفى هذا ما يعطى كل جزء من أجزاء الجسد نصيبه من هذا العذاب. فالعذاب الذي يقع على جزء من الجسد ، يشيع في الجسد كله ، فإذا كان كل جزء من الجسد واقعا تحت لون من ألوان العذاب يتناسب مع طبيعته ، كان ذلك أنكى وآلم ، حيث يتحول الإنسان تحت وطأة هذا العذاب إلى طاقات كثيرة متعددة ، يصبّ فيها العذاب الذي يحتوى كل ذرة فيها ، ولعل هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى: « يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ » (69: الفرقات) .والضريع ، كما يدل عليه لفظه ، طعام غثّ ردىء ، لا تتولد عنه إلا الضراعة ، والذلة ، والمهانة ..وقد اختلف المفسّرون في معنى « الضريع » والفصيلة الذي ينتمى إليه من فصائل النبات .. وقال كل ذى رأى برأيه فيه ، وتكاف له التأويل والتخريج ..

والرأى ـ واللّه أعلم ـ أنه من طعام أهل النار ، لا يعرف له شبيه في الحياة الدنيا ، ولهذا وصفه اللّه سبحانه بأنه « لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ » أي أنه لا تتقبله الأجسام ، ولا تتفاعل معه ، كما أنه لا يشبع جوع الجياع ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت