ولو كان معروفا عند العرب ، لما وصف هذا الوصف الكاشف!. [1]
(هل أتاك حديث الغاشية ?) . . ثم يعرض شيئا من حديث الغاشية:
(وجوه يومئذ خاشعة . عاملة ناصبة . تصلى نارا حامية . تسقى من عين آنية . ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغني من جوع) . .
إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم ; فهو أقرب إلى جو (الغاشية) وظلها . . فهناك:يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة ; عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة , ولم تجد إلا الوبال والخسارة , فزادت مضضا وإرهاقا وتعبا , فهي: (عاملة ناصبة) . . عملت لغير الله , ونصبت في غير سبيله . عملت لنفسها وأولادها . وتعبت لدنياها ولأطماعها . ثم وجدت عاقبة العمل والكد . وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد . ووجدته في الآخرة سوادا يؤدي إلى العذاب . وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق المتعوس الخائب الرجاء !
ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم: (تصلى نارا حامية) وتذوقها وتعانيها .
(تسقى من عين آنية) . . حارة بالغة الحرارة . . (ليس لها طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع) . . والضريع قيل:شجر من نار في جهنم . استنادا إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم . وقيل:نوع من الشوك اللاطئ بالأرض , ترعاه الإبل وهو أخضر , ويسمى"الشبرق"فإذا جني صار اسمه"الضريع"ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام ! فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام يومئذ مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع !
وواضح أننا لا نملك في الدنيا أن ندرك طبيعة هذا العذاب في الآخرة . إنما تجيء هذه الأوصاف لتلمس في حسنا البشري أقصى ما يملك تصوره من الألم , الذي يتجمع من الذل والوهن والخيبة ومن لسع النار الحامية , ومن التبرد والارتواء بالماء الشديد الحرارة ! والتغذي بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه , وهو شوك لا نقع فيه ولا غناء . . من مجموعة هذه التصورات يتجمع في حسنا إدراك لأقصى درجات الألم . وعذاب الآخرة بعد ذلك أشد . وطبيعة لا يتذوقها إلا من يذوقها والعياذ بالله ! [2]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-القيامة يوم رهيب ، يغشى الناس فيه غاشية شديدة من الأهوال والمخاوف.
2-تكون وجوه الكفار في ذلك اليوم ذليلة بالعذاب ، خاضعة للعقاب ، وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون ويتعبون أنفسهم لأن الآخرة ليست دار عمل ، مثل عبدة الأوثان وأصحاب
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1537)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3896)