الصوامع والرهبان وغيرهم ، خشعت وجوههم للَّه ، وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي القائم على التوحيد الخالص والإخلاص الكامل للَّه عز وجل ، واللَّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له ، قال تعالى واصفا عمل هؤلاء: قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ ، فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا ، ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا ، وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [الكهف 18/ 103- 106] ..
3-ومكانهم هو النار الشديدة الحر ، ومشروبهم هو مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي من ينبوع ماء متناه في الحرارة ، ومطعومهم الضريع الذي لا يسمن آكله ، ولا يدفع الجوع عنه. جاء في الخبر عن ابن عباس: (الضريع: شيء يكون في النار يشبه الشّوك ، أمرّ من الصبر ، وأنتن من الجيفة ، وأشد حرّا من النار) [1] .
وقال العلماء: إن للنار دركات ، وأهلها على طبقات فمنهم من طعامه الزّقوم ، ومنهم من طعامه غسلين ، ومنهم من طعامه ضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصّديد: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر 15/ 44] . ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة اللَّه ، كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال المشركون على سبيل التعنت: إن إبلنا لتسمن بالضّريع ، فنزلت: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ أي ليس فيه منفعة الغذاء ، ولا الاسمان ودفع الجوع.
وهذا دليل على أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس ، ولكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس ، نفرت عنه لأنه سم قاتل.
ودليل أيضا على تكذيب اللَّه لهم في قولهم: « يسمن الضريع » .
4-إن وصف أحوال النار على النحو المذكور يستدعي الفرار منه ، وإبعاد النفس عن موجبات هذا العذاب ، من العقيدة الفاسدة ، والعمل الخاسر ، ولا عقيدة صحيحة إلا بتوحيد اللَّه والإيمان بالقرآن والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ولا عمل مقبول إلا على وفق ما جاء به الإسلام. ولا أقول هذا لأني مسلم ، وإنما هذا الذي صح دليله...
(1) - تفسير القرطبي: 20/ 30