ولقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود بدون ذكر صلته بالآيتين أو الاستشهاد فيه بالآيتين. وروي كذلك في مناسبة قتال أبي بكر رضي اللّه عنه للممتنعين عن الزكاة ، وعلقنا على ذلك في سور المزمل والكافرون بما يغني عن التكرار ويزيل اللبس في الحديث موضوعيا. [1]
قوله تعالى: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ » ..هو إلفات لهؤلاء المشركين المكذبين بالغاشية ، إلى قدرة اللّه سبحانه وتعالى ، تلك القدرة القادرة على أن تعيدهم إلى الحياة بعد الموت ، وأن تردّهم إلى اللّه سبحانه ، للحساب والجزاء ..
وفى إلفاتهم إلى الإبل ، وإلى ضخامتها ، وقوتها ، وما أودع الخالق فيها من قوى قادرة على حمل الأثقال ، والمشي في الرمال ، وإلى الصبر على الجوع والعطش ـ كل هذا يكشف عن صانع عظيم ، عليم ، حكيم ، خلق فسوى ، وقدر فهدى ..
ولأن أول ما يلفت النظر إلى الإبل ، هو قاماتها العالية ، ورقابها المرفوعة ، فقد ناسب ذلك أن يلفتوا إلى السماء ، وإلى هذا العلو الشاهق الذي لا حدود له ..
« وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ » .. كذلك ناسب أيضا أن يلفتوا إلى الجبال ، وقد مدت رقابها فوق الأرض كأنها رقاب الإبل ، أو أسنمتها .. « وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ » .
.ثم إن الشأن ليس في رفع الشيء وعلوه ، فما رفع الشيء إلا لحكمة ، كما أنه ما خفض شىء إلا لحكمة .. فهذه الأرض المبسوطة الممدودة ، لو كانت كلها أسنمة كأسنمة الإبل ، أو رقابا كرقابها ، لما أمكن الانتفاع بها ، والسير فيها .. فهى مع ارتفاع بعض أجزائها ، قد انبسط بعض أجزائها الأخرى ، لتكون مهادا للناس ، وبساطا ممدودا .. وبهذا تذلّل لهم وتستجيب لحركتهم عليها .. « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » (15: الملك) .
وقوله تعالى: « فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » .هو دعوة إلى النبي الكريم أن يعرض هذه الآيات التي تحدثت عن قدرة اللّه سبحانه ، وعن حكمته ، ليكون فيها تذكرة لمن يتذكر ، وعبرة لمن يعتبر ..
فوظيفة النبىّ ، هى التذكير باللّه ، وإلفات العقول والقلوب إلى قدرته ، وعلمه ، وحكمته ، وإلى ماله سبحانه من نعم سابغة على عباده ..
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (5 / 47)