وقوله تعالى: « لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » أي لست أيها النبي بمتسلط على الناس ، تقهرهم بسلطان قوى ، وبقوة قاهرة ، على أن يؤمنوا باللّه ، ويستجيبوا لما تدعوهم إليه .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ » (45: ق) .
وفى هذا إطلاق للإنسان ، وتحرير لذاته وشخصيته من أي سلطان ، إلا سلطان عقله وضميره ، وفى هذا تكريم للإنسان ، واعتراف بمكانه في الوجود ، وأنه لا وصاية عليه من أحد حتى الأنبياء والرسل .. إنهم ليسوا أوصياء عليه ، وإنما هم هداة يرفعون لعينيه مشاعل الهدى في طريق حياته ، فإن شاء سار في الطريق الذي يكشف عنه هذا النور ، وإن شاء أخذ الطريق الذي اختاره له عقله ، وارتضاه ضميره .. ولو كان كفرا وضلالا ، فتلك مشيئته التي شاءها لنفسه!.
قوله تعالى: « إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ » . إلا هنا استثناء من عموم الأحوال التي تدخل في السيطرة الواقع عليها النفي .. أي لست مسيطرا على الناس إلا في حال واحدة ، وهى حال من تولى وكفر ، فإنه في هذه الحال واقع تحت سلطان العذاب الذي أنذرته به .. وهذا العذاب في يد اللّه ، يعذب به هؤلاء الذين تولوا وكفروا .. فالسلطان الواقع على الإنسان هنا ، هو سلطان اللّه سبحانه ، وليس الرسول إلا منذرا بهذا السلطان ، محذرا منه ..
والعذاب الأكبر ، هو عذاب يوم القيامة .. ووصف العذاب بهذه الصفة التي تحصر غاية العذاب وصوره كلها فيه ـ لأن كل ما عرفه الناس في الدنيا من عذاب ، هو عذاب دون هذا العذاب قدرا وأثرا .. فهو العذاب الأكبر كبرا مطلقا ، لا حدود له.
وقوله تعالى: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ » ..أي أن هؤلاء الذين تولوا وكفروا ، ولا يفلتون من هذا الذي أنذروا به ـ إنهم سيعودون إلى اللّه ، وسيحاسبون على ما اجترحوا من آثام .. وليس وراء هذا الحساب إلا العذاب الأليم .. العذاب الأكبر! وأنهم إذا كانوا قد خرجوا من سلطان النبىّ ، فإنهم لن يخرجوا من سلطان اللّه الذي يلقاهم بهذا العذاب ..
والإياب الرجوع إلى المكان الذي خرج منه الإنسان .. كالمسافر يئوب من سفره .. وفى هذا إشارة إلى أن البعث هو عودة إلى الحياة التي فارقها الإنسان في رحلته التي بدأت بالموت .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى .. » (8: العلق) . [1]
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الآيات ؛ لبعد البعير عن خياله في مقام النظر ، ثم لبعده في خياله عن السماء ، وبعد خلقه عن رفعها ، وكذا البواقي . لكن إذا وفاهُ حقهُ بتيقظه لما عليه تقلبهم في حاجاتهم ، جاء الاستحلاء ؛ وذلك إذا نظر أن أهل الوبر ، إذا كان مطعمهم ومشربهم
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1542)