وملبسهم من المواشي ، كانت عنايتهم مصروفة لا محالة إلى أكثرها نفعًا وهي الإبل ، ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصل إلا بأن ترعى وتشرب ، كان جلّ مرمى غرضهم نزول المطر ، وأهم مسارح النظر عندهم السماء ، ثم إذا كانوا مضطرين إلى مأوى يؤويهم وإلى حصن يتحصنون فيه ، ولا مأوى ولا حصن إلا الجبال .
لنا جبلٌ يحتلُّه من نجيرهُ منيعٌ يردُّ الطرفَ وهو كليلُ
فما ظنك بالتفات خاطرهم إليها ؟ ثم إذا تعذر طول مكثهم في منزل - ومن لأصحاب مواش بذاك - كان عقد الهمة عندهم بالتنقل من أرض إلى سواها من عزم الأمور ، فعند نظره هذا ، أيرى البدوي إذا أخذ يفتش عما في خزانة الصور له ، لا يجد صورة الإبل حاضرة هناك أو لا يجد صورة السماء لها مقارنة ، أو تعوزه صورة الجبال بعدهما ، أو لا تنصّ إليه صورة الأرض تليها بعدهن ؟ لا ، وإنما الحضري ، حيث لم تتآخذ عنده تلك الأمور ، وما جمع خيالهُ تلك الصور على ذلك الوجه وإذا تلا الآية قبل أن يقف على ما ذكرت ، ظن النسق بجهله معيبًا للعيب فيه . انتهى . [1]
وتنتهي هذه الجولة في العالم الآخر ، فيؤوب منها إلى هذا الوجود الظاهر . الحاضر . الموحي بقدرة القادر وتدبير المدبر ، وتميز الصنعة ، وتفرد الطابع . الدال على أن وراء التدبير والتقدير أمرًا بعد هذه الحياة ، وشأنًا غير شأن الأرض . وخاتمة غير خاتمة الموت: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف سطحت؟ } . .وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار ، أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة . كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله . حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال ( ممثلة لسائر الحيوان ) على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة .
إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان . . السماء والأرض والجبال والحيوان .
.وأيًا كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه . موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها .
والمعجزة كامنة في كل منها . وصنعة الخالق فيها معلمة لا نظير لها . وهي وحدها كافية لأن توحي بحقيقة العقيدة الأولى . ومن ثم يوجه القرآن الناس كافة إليها:
{ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ } . . والإبل حيوان العربي الأول . عليها يسافر ويحمل . ومنها يشرب ويأكل . ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل . فهي مورده الأول للحياة . ثم إن
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 208)