الصفحة 576 من 1282

المكرمين عند اللّه ، وليس التضييق في الرزق ، بالذي يدلّ على إهانة اللّه سبحانه لمن قدر عليه رزقه .. إن هذا وذاك ، امتحان وابتلاء ، وليس كما يظن الجاهلون بأن اللّه إنما يرزق الناس في الدنيا بحسب مكانتهم عنده ، فيوسّع على أوليائه ، ويضيّق على أعدائه ، وأن هؤلاء الذين أفقرهم اللّه ، لو كانوا من المكرمين عنده لما ضيق عليهم في الرزق ، ولما وضعهم بموضع الحاجة إلى الأغنياء ، وهذا ما يشير إليه سبحانه وتعالى في فضح منطقهم الفاسد ، إذ يقول سبحانه على لسانهم: « أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » ؟ (47: يس) ..

وكلا .. فإن هذا منطق ضالّ ، ورأى فاسد سقيم!! ولقد أحالهم هذا الفهم الضال إلى حيوانات ، لا تعرف غير ما تملأ به بطنها من طعام ، فلقد جفّت فيهم عواطف الإنسانية ، وانتزعت من قلوبهم مشاعر الرحمة ..فلم يكرموا اليتيم ، كما أكرمهم اللّه ، ولم يحسنوا إلى الفقير ، كما أحسن اللّه إليهم.

بل اغتالوا حق اليتيم ، ولم يمدّوا أيديهم بإحسان إلى مسكين ، وأكلوا ما يرثون أكلا جامعا ، غير مستبقين شيئا لما افترض اللّه سبحانه وتعالى عليهم في هذا الميراث الذي جاءهم من غير كدّو لا عمل ، فهو ليس لهم وحدهم ، وإنما هو أشبه بلقطة يلتقطونها من عرض الطريق ، وأن من حق من يحضرهم وهم يمدون أيديهم إلى هذا المال أن ينال نصيبا منه ، إذا كان من أهل العوز والحاجة ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا » (8: النساء) .. والمراد بالقسمة هنا قسمة الميراث .. والمراد برزق أولى القربى واليتامى والمساكين من هذا الميراث ـ هو إعطاؤهم نصيبا منه ، غير مقدّر بقدر محدود ، وإنما هو فضل وإحسان .. ولقد أنكروا هذا الحق ، وأكلوا الميراث كله!! وفى قوله تعالى: « أَكْلًا لَمًّا » إشارة إلى أنهم أكلوا ما لهم من حق في هذا الميراث ، مع مالذوى القربى واليتامى والمساكين من حق فيه ، وجمعوا هذا إلى ذاك ، وأكلوه جميعه. [1]

فأما الإنسان فتخطئ موازينه وتضل تقديراته ، ولا يرى إلا الظواهر ، ما لم يتصل بميزان الله: { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ، فيقول: ربي أكرمن . وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن } . .فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال ، ومن بسط وقبض ، ومن توسعة وتقدير . . يبتليه بالنعمة والإكرام . بالمال أو المقام . فلا يدرك أنه الابتلاء ، تمهيدًا للجزاء . إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلًا على استحقاقه عند الله للأكرام ، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره . فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة! ويقيس

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1555)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت