فهرس الكتاب
سلطانه الذي مكن اللّه سبحانه وتعالى به على الناس .. ويقول سليمان في موضع آخر ، وقد رأى عرش ملكة سبأ ما ثلا بين يديه: « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ؟ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » (40: النمل) .
هكذا النفوس الكريمة الطيبة ، تستقبل الإحسان بالإحسان ، وتتلقىّ الخير بالخير ..
بل إنها لتضيق بالإحسان ، وتراه حملا ثقيلا عليها ، إذا هى وجدت ضعفا عن القيام بشكره .. يقول الشاعر مخاطبا أحد ممدوحيه الذين أضعفوا عطاياهم له ، وأضفوا إحسانهم عليه يقول:
لا تسدينّ إلىّ عارفة حتى أقوم بشكر ما سلفا
أنت الذي جللتنى مننا أوهت قوى ظهرى فقد ضعفا
وهذا وإن كان شعرا ، وكان للخيال منه مكان ـ فإنه يقوم على أصل أصيل من مشاعر الفطرة الإنسانية السليمة ، التي لم يفسدها الهوى ، ولم يغلبها الطبع الحيواني المتوحش الكامن في الإنسان ..
فالمال نعمة من نعم اللّه ، وإحسان من إحسانه ، وإنه لمن الغبن لمن أنعم اللّه به عليه ، بفضله وإحسانه ، أن يشترى به عداوة اللّه ، وأن يفتح به إلى جهنم بابا من أبوابها!! فالمال نعمة ، يمكن أن ينال بها العاقل طيبات الحياة الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة ..
ولكنه حين يقع ليد الأغبياء المغرورين ، يكون عليهم وبالا ، وشقاء ، في الدنيا والآخرة جميعا .. وفى « قارون » شاهد عبرة وعظة! وقوله تعالى: « وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ » ..قدر عليه رزقه: أي ضيّقه عليه ، ولم يوسع له فيه ، بالنسبة لما يراه في غيره من الناس ..
وفى هذه الحال يحاجّ هذا الإنسان الغافل الكفور ـ يحاجّ ربّه ، ويلقاه متسخطا متبرما ، متّهما خالقه بأنه لم يعرف قدره ، ولم يؤد له ما هو جدبر به ، وأنه ليس أقلّ من فلان ، وفلان ، من أصحاب الغنى والثراء!! وهذا ضلال مود بأهله ، ومورد إياهم موارد التهلكة ..
فالامتحان بالفقر ، والضيق ، والشدة ، كالامتحان بالغنى ، والثراء والنعم.
فإذا كان الامتحان بالغنى يضع الإنسان أمام شهوات عارمة ، وأهواء غالبة ، تحتاج لقهرها إلى رصيد عظيم من العزم ، وقوة الإرادة ـ فإن الامتحان بالفقر والشدة ، يضع الإنسان أمام عدوّ يريد أن نزعزع إيمانه ، ويغتال صبره لحكم ربه ، ورضاه بما قضى اللّه فيه.
قوله تعالى: « كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ، وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا » .
هو رد على ما يقوم في نفوس كثير من الناس من تلك المفاهيم الخاطئة فيما يبتليهم اللّه سبحانه وتعالى به ، من غنى أو فقر ، فليست التوسعة في الرزق ، بالتي تعطى العبد حجة بأنه من