فهرس الكتاب
ففى الحال التي يفيض اللّه سبحانه وتعالى فيها المال على الإنسان ، ويسوق إليه الكثير منه ، لا يرى أن ذلك ابتلاء واختبار ، كما يرى ذلك عباد اللّه المتقون ، وكما يقول سبحانه على لسان سليمان عليه السلام: « هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ »
؟ (40: النمل) ـ بل إنه يرى أن ذلك الإحسان المسوق إليه من عند اللّه ، هو حقّ اقتضاه من اللّه سبحانه ، لما يرى في نفسه من ميزات استحق بها هذا الإحسان دون الناس ، فيقول كما يقول أهل الزيغ والضلال ، فيما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: « وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى » (50: فصلت) .
فالإنسان ضعيف أمام سلطان المال ، وتسلطه عليه ، فإذا لم يحضّ نفسه على مراقبة اللّه ، وإذا لم يقم على نفسه وازعا يزعه من غلبة الهوى ، استبدت به شهوة المال ، وصرفته عن اللّه ، وأرته الحياة الآخرة سرابا خادعا ، لا ينبغى له أن يدع هذا الحاضر الذي بين يديه ، ويتعلق بهذا السراب الخادع الذي لا يدرى ما وراءه!! والإنسان هنا ، هو مطلق الإنسان ، إلا من عصم اللّه ، وهم قليل ..
وفى قوله تعالى: « ابْتَلاهُ رَبُّهُ » إشارة إلى أن هذا المال المسوق إلى الإنسان ، وتلك النعم التي ملأ اللّه بها يديه ، هو ابتلاء وامتحان له من اللّه ، يكشف به عن شكره أو كفره ، وأن ذلك ليس لميزة امتاز بها على الناس ، فكما يبتلى اللّه أولياءه بالمال ، يبتلى أعداءه به أيضا ، فيعطى كلّا من الأولياء والأعداء ما يشاء .. أما الأولياء فيحمدون ، ويشكرون ، وأما الأعداء فيزدادون كفرا وعنادا .. واللّه سبحانه وتعالى يقول: « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » (35: الأنبياء)
وفى قوله تعالى: « فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ » ـ إشارة إلى أن الابتلاء بالإعطاء والمنح ، هو ـ عند من يعرف قدره ، ويحسن استقباله ـ فضل وإكرام من اللّه ، وإنه لجدير بالعاقل ألا ينزع عن نفسه هذا الثوب الذي كساه اللّه إياه ، ويلبس نفسه لباس الشقاء والبلاء ..
فالذين أنعم اللّه عليهم من عباده المكرمين بالملك والجاه والمال والسلطان ـ يرون فضل اللّه عليهم ، وإحسانه إليهم ، فلا يكون همّهم إلا إفراغ جهدهم كله في القيام بواجب الشكر للّه ، والحمد للّه ، أن أكرمهم بهذا العطاء ، وعافاهم من المنع والحرمان. وفى هذا يقول سليمان عليه السلام: « يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ » (16: النمل) .
إنه يهتف من أعماقه ، محدّثا بنعمة اللّه عليه ، داعيا الناس أن يشهدوا عليه ، وهو بين يدى نعم اللّه السوابغ عليه ، وأنه إذا لم يقم في مقام الشاكرين للّه ، فليعدّوه جاحدا ، بل وليخرجوا عن