فهرس الكتاب
24 ... قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ... قدمت الأعمال الصالحة
27 ... النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ... النفس المؤمنة الآمنة
30 ... ادْخُلِي جَنَّتِي ... ادخلي دار كرامتي
المعنى الإجمالي:
بعد أن أنكر عليهم أقوالهم وادعاءهم أن الغنى إكرام لهم ، وأن الفقر إهانة لهم ، ونعى عليهم أفعالهم من حرصهم على الدنيا واستفراغ الجهد في تحصيلها ، وتكالبهم على جمعها من حلال وحرام - أردفه بيان أن ما يزعمونه من أنهم لربهم ذاكرون مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء وامتلائها بحب المال والميل إلى الشهوات - زعم لا حقيقة له ، وإنما يتذكرون ربهم في ذلك اليوم العظيم حين يشهدون الهول. ويعوزهم الحول ، ويظهر لهم مكانهم من النكال والوبال ، ولكن هذه الذكرى قد فات أوانها ، وانتهى إبّانها ، فإن الدار دار جزاء لا دار أعمال ، فلا يبقى فيها لأولئك الخاسرين إلا الحسرة والندامة ، وقول قائلهم: « لَي ْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي »
ويكون لهم من العذاب ما لا يقدر قدره ، ومن الإهانة ما يحل عن التشبيه والتمثيل.
وبعد أن ذكر حال الإنسان الذي خلّى وطبعه ، فاستولى عليه جشعه وحرصه على رغباته وشهواته ، حتى خرجت عن سلطان الحكمة والعقل ، ثم ذكر عاقبة أمره في الآخرة - أعقب هذا بذكر حال الإنسان الذي ارتقى عن ذلك الطبع وسمت نفسه إلى مراتب الكمال ، فاطمأن إلى معرفة خالقه ، واستعلى برغائبه إلى المطامع الروحية ، ورغب عن اللذات الجسمانية ، فكان في الغنى شاكرا لا يتناول إلا حقه ، وفى الفقر صابرا لا يمد يده إلى ما لغيره ، وبين أنه في ذلك اليوم يكون بجوار ربه راضيا بعمله في الدنيا ، مرضيا عنده ، يدخله في زمرة الصالحين المكرمين من عباده. [1]
هذا هو الرب - سبحانه - مع المخلوقين ، فإن أردت أن تعرف الإنسان: فأما إذا ما ابتلاه بالخير في الدنيا أصابه الغرور ، وقال: إن اللّه أكرمنى ، ومن يكرمه اللّه في الدنيا فلا يعذبه في الآخرة مهما فعل من المعاصي ، وإذا ما ابتلاه بأن ضيق عليه رزقه يقول: ربي أهاننى ، ويظن أن من صغرت قيمته عند ربه لم يبال به ولا بعمله فتراه قد وقع في المعاصي وانخرط مع الجبارين ، فكأن الغنى والفقر امتحان لا ينجو منه إلا قليل ، لم يبتل اللّه الإنسان بالغنى لكرامته عنده ، وإلا لما رأيت كثيرا من الصالحين المقربين فقراء ليس عندهم ما يكفيهم كلا: لم تكن الدنيا دليلا على هذا وذاك ، وكان العرب يظنون أنهم على شيء يرضى اللّه ، وكانوا يتوهمون أنهم على دين أبيهم إبراهيم الخليل فرد اللّه عليهم بأنهم ليسوا على شيء بدليل أنهم لا
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (30 / 151)