فهرس الكتاب
يكرمون اليتيم بل يأخذون ماله ظلما ، ولا يحسنون إليه ، ولا يحض بعضهم بعضا على إطعام المساكين ، فكرمهم للرياء والسمعة ، لا للإنسانية. وهم يأكلون الميراث أكلا بنهم وشدة ، ويحبون المال أيا كان حبا شديدا كثيرا ، أليس هذا دليلا على أن هؤلاء الكفار المغرورين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، وأنهم ليسوا على شيء يرضى اللّه ولا يرضى أحدا من أنبيائه.
كلا وألف كلا!! لا ينبغي أن تكونوا كما وصفكم القرآن ، ومن كان كذلك فإنه إذا دكت الأرض دكا وقامت القيامة قياما ، وجاء ربك - واللّه أعلم بكيفية المجيء ولكن نؤمن به « 1 » - والملك ...!! قاموا وأحدقوا بالناس جميعا - وخاصة الكفار - صفوفا صفوفا ، وجئ يومئذ بجهنم وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى « 2 » يوم إذ يحصل هذا فقط يتذكر الإنسان أنه أخطأ وأهمل ، وكذب وعصى ، ولكن هل ينفعه ذلك ؟ ! لا.
وأنى له الذكرى ؟ ! يقول الإنسان الذي عصى في الدنيا: يا ليتني قدمت عملا ينفعني في تلك الحياة الأبدية.
وكأنها هي الحياة فقط وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 3 » .
فيومئذ لا يعذب عذاب ربك أحد ، بل هو الذي يتولى العذاب وحده بلا شريك ولا يوثق أحدا من خلقه غيره ، وهذا لأن الأمر يومئذ أمره.
هذا شأن الإنسان المادي ، وهذا جزاؤه ونهايته في الآخرة.
أما الإنسان إذا صفت روحه وسمت عن الماديات ، كانت نهايته يوم القيامة سعيدة ، ويقال له: يا أيتها النفس المطمئنة الواثقة في اللّه وفي لقائه ، والمستيقنة بنور الحق الذي لا يخالجه شك ، أيتها النفس ارجعي إلى ربك ، وأحظي بشرف لقائه ورضوانه ، ارجعي إلى ربك راضية عن عملك في الدنيا مرضية عنك لأن من كان معها قد رضى عنها ، واللّه قد رضى عنها ، وذلك هو الفوز العظيم ، فادخلي أيتها النفس في عداد عبادي الصالحين المقربين لأنك عملت عملهم ، وادخلى جنتي.
والرجوع إلى اللّه تمثيل لكرامة بعض خلقه عنده وإلا فاللّه معنا حيث كنا. [1]
التفسير والبيان:
كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا أي زجرا وردعا لأقوالكم وأفعالكم هذه ، ولا ينبغي أن يكون هكذا عملكم في الحرص على الدنيا ، وترك المواساة منها ، وجمع الأموال فيها من حيث تتهيأ ، دون تفرقة بين حلال وحرام ، وتوهم ألا حساب ولا جزاء.
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 862)