الصفحة 584 من 1282

الشرع ، فتجيء يوم القيامة مطمئنة بذكر اللَّه ، ثابتة لا تتزعزع ، آمنة مؤمنة غير خائفة ، ارجعي إلى ثواب ربك الذي أعطاك. وإلى محل كرامته الذي منحك إياه ، راضية بهذا الثواب عما عملت في الدنيا ، وبما حكم اللَّه ، ومرضية عند اللَّه ، كما قال تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَرَضُوا عَنْهُ [البيّنة 98/ 8] وهذه هي صفة أرباب النفوس الكاملة.

فادخلي في زمرة عبادي الصالحين ، وكوني في جملتهم ، وادخلي معهم جنتي ، فتلك هي الكرامة لا كرامة سواها ، جعلنا اللَّه من أهلها ، والظاهر العموم ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت به الآية.

ومضات:

قال ابن كثير: أي: وجاء الرب ، تبارك وتعالى ، لفصل القضاء ، كما يشاء والملائكة بين يديه صفوفًا صفوفًا . . وسبقه ابن جرير على ذلك وعضدهُ بآثار عن ابن عباس وأبي هريرة والضحاك < في نزوله تعالى من السماء يومئذ في ظلل من الغمام ، والملائكة بين يديه ، وإشراق الأرض بنور ربها > . ومذهبُ الخلف في ذلك معروف ، من جعل الكلام على حذف مضاف ، للتهويل ، أي: جاء أمرهُ وقضاءهُ . أو استعارة تمثيلية لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه .

قال الزمخشري: مثلت حاله في ذلك ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ، ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم . انتهى .

وكأنّ الخلاف بين المذهبين لفظي ، إذ مبنى مذهب الخلف على أن الظاهر غير مراد . ويعنون بالظاهر ما للخلق مما يستحيل على الخالق ، فوجب تأويله . وأما السلف فينكرون أن معنى الظاهر منها ما للخلق ، بل هو ما يتبادر إلى فهم المؤمن الذي يعلم أن ذاته تعالى ، كما أنها لا تشبه الذوات ، فكذلك صفاتُ لا تشبه الصفات ؛ لأنها لا تكيف ولا تعلم بوجه ما ، فهي حقيقة النسبة إليه سبحانه على ما يليق به ، كالعلم والقدرة ، لا تمثيل ولا تعطيل .

قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه: واعلم أن من المتأخرين من يقول: إن مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به ، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد . وهذا لفظ مجمل ؛ فإن قولهُ ظاهرها غير مراد ، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين ، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلّي ، أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه ، و: إن الله معنا ، ظاهره أنه إلى جانبنا ، ونحو ذلك . فلا شك أن هذا غير مراد ، ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد ،فقد أصاب في المعنى ،لكن أخطأ في إطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث ؛ فإن هذا المجال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع ، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبًا بهذا الاعتبار ، معذورًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت