فهرس الكتاب
والصوفيون يعمدون إلى تغطية هذياناتهم وشطحاتهم بالقول إن للجمل القرآنية معنى حقيقيا ومعنى ظاهرا تشريعيا ويقولون إن الجوهري هو الحقيقة وإن الشريعة فيه هي شؤون ظاهرة تناسب عقول البسطاء من المسلمين وإن من السائغ أن لا يكون بين الحقيقة والشريعة توافق في المدى والمحتوى والمناسبات وسائر الوجوه والمجالات. وسنورد أمثلة أخرى من تفسيراتهم لتوكيد الصورة بقصد تنبيه المسلمين إلى نموذج آخر من النماذج الشاذة في تفسير كتاب اللّه تعالى وهو التفسير الصوفي ، وتحذيرهم من هذا النحو الذي لا سند له من عقل ونقل والذي يعمد إليه أفراد شاذون في خيالهم وعقولهم يزعمون لأنفسهم الإلهام والوحي أو يزعم لهم ذلك في حين أن اللّه تعالى قد أنزل الكتاب على رسوله ليكون للعالمين نذيرا وليخرج الناس من الظلمات إلى النور وليكون فيه هدى ورحمة لقوم يؤمنون وليهديهم به إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم اللّه عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين كما علمنا اللّه أن ندعوه وله الحمد أولا وآخرا.
ولقد تصدى لابن عربي وأمثاله المتصوفة القائلين بوحدة الوجود وكون كل ما في الكون من خلق وكل ما يفعله الخلق هي صور للّه كثير من العلماء في مختلف الحقب والبلاد الإسلامية ويندّدون بأقوالهم ويبينون ما فيها من تخريف وانحراف بل ودسائس على الإسلام لما فيه من شطح وهذيان ثم لما تؤدي إليه من إسقاط تكاليف الإسلام وإباحة كل محرم والتسوية بين اللّه والأوثان وبين المتقين والمجرمين والزناة واللصوص وبين الخير والشر والهدى والضلال والانحراف والاستقامة وإنكار لليوم الآخر وحسابه وثوابه وعقابه [1]
وقوله تعالى: « كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِي ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » .كلا ، هو ردّ على موقف هؤلاء الذين لا يكرمون اليتيم ، ولا يتحاضّون على طعام المسكين ، ويأكلون التراث أكلا لمّا ، ويحبون المال حبّا جمّا .. إن ذلك ليس هو طريق الفلاح والنجاة ، بل هو طريق الخسران ، والهلاك ، وإن ذلك ليبدو لهم جليّا وضحا « إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا » أي إذا جاء يوم القيامة ، وتبدلت معالم هذه الحياة الدنيا ، وذهب كل ما جمعوا فيها ، وما أقاموا من دور وقصور .. وفى التعبير عن يوم القامة ، بدكّ الأرض « دكا دكا » ـ إشارة إلى أن ما بين أيديهم من متاع الحياة الدنيا سيتحول إلى حطام وأنقاض ، فيكون بعضا من هذه الأرض التي لا يبقى على
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 544)
و «انظر كتاب مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد ، تأليف العلامة برهان الدين البقاعي ، تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل ، مطبعة السنة المحمدية ، القاهرة 1373 ه - 1953 م» .