الصفحة 589 من 1282

وجهها شىء ، مخلّفا وراءه الويل لهم ، والحساب العسير على ما أكلوا من حقوق ، وما ضيعوا من واجبات.

وقوله تعالى: « وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا » ـ أي جاء أمر اللّه وسلطانه ونصبت موازين الحساب ، ووقف الملائكة في المحشر جندا حراسا ، ينفذون أمر اللّه ، ويسوقون أهل الضلال إلى النار ، وأهل الإيمان إلى الجنة ..

«ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » (103: هود) وقوله تعالى: « وَجِي ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ » ـ برزت جهنم لأهلها ، فهذا هو يومها ، ويوم المنذرين بها ، المعذبين فيها .. « وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى » (36: النازعات) وقوله تعالى: « يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى » ـ أي في هذا اليوم يعقل الإنسان كل شىء ، ويعلم عن يقين ما فاته علمه في الدنيا من حق .. ولكن لا ننفعه الذكرى ، ولا يفيده العلم ، فقد طويت صحف الأعمال ، ولا سبيل إلى تدارك ما فات! وقوله تعالى: « يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » إنه الندم الذي يملأ القلب حسرة وكمدا ، وإنه النظر اليائس المتحسر إلى سقاء الماء وقد أربق كل ما فيه ، في وسط صحراء ليس فيها قطرة ماء!! وفى قوله « لحياتى » ـ إشارة إلى أن هذه الحياة ـ حياة الآخرة ـ هى حياة الإنسان حقا ، وأن الحياة الدنيا ليست إلا معبرا إلى هذه الحياة ..قوله تعالى: « فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ » ـ أي في هذا اليوم لا يشهد الناس عذابا كهذا العذاب الذي يعذب اللّه به أهل الضلال ، ولا قيدا محكما وثيقا كهذا القيد الذي يقيدهم اللّه به ، فلا يجدون سبيلا للإفلات والهرب! والضمير في عذابه ، يرجع إلى اللّه ، ومثله الضمير في وثاقه.

وقوله تعالى: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » هذا النداء الكريم ، الذي يدعو به اللّه سبحانه وتعالى أهل ودّه ، من وسط هذا البلاء الخالق ، المحيط بالناس يوم القيامة ـ هو قارب النجاة ، الذي يخفّ مسرعا إلى تلك السفينة الغارقة في هذا البحر اللّجى ، فيحمل هؤلاء الذين أكرمهم اللّه بفضله وإحسانه ، فنجاهم من شر هذا اليوم ، ولقاهم نضرة وسرورا .. إن هذا النداء الذي يجىء على فجاءة وسط هذا البلاء ، لهو أوقع أثرا ، وأبلغ في إدخال المسرة على النفس ، من أن يجىء مسبوقا بمقدمات تشير إليه ، وتبشّر به ..

والنفس المطمئنة ، هى النفس المؤمنة ، التي لا يستبد بها القلق في أي حال من أحوالها ، في السراء أو الضراء ، إنها في حال واحدة أبدا من الرضا بما قسم اللّه لها .. ، فهى في السراء شاكرة ، حامدة ، وفى الضراء صابرة راضية ، فلا الغنى يطغيها ، ويخرج بها عن طريق الاستقامة ، ولا الفقر يسخطها ، ويعدل بها عن الاطمئنان إلى قضاء اللّه فيها ، وحكمه عليها .. إنها نفس مطمئنة ثابتة ، على حال واحدة في إيمانها باللّه ، ورضاها بما قسم لها .. وهذا الاطمئنان وذلك الرضا ، لا يجد هما إلا المؤمنون باللّه ، المتوكلون عليه ، المفوضون أمورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت