الصفحة 590 من 1282

إليه .. فالاطمئنان الذي تصيبه بعض النفوس ، ويكون صفة غالبة عليها ، هو ثمرة الإيمان الوثيق باللّه ، القائم على أصول ثابتة من المعرفة باللّه سبحانه وتعالى ، وما له جل شأنه من سلطان مطلق متمكن ، قائم على كل ذرة في هذا الوجود ، وأنه لا يقع في هذا الوجود شىء إلا بتقديره سبحانه ، وبمقتضى حكمته وعلمه ، وعدله.

وقد نودى الإنسان هنا بنفسه ولم يناد بذاته ، لأن النفس هى جوهره السماوي ، وهى التي كانت موطن الإيمان والاطمئنان .. وهى لهذا استحقت أن ترجع إلى ربها ، وأن تنزل منازل رضوانه ، إذ لم تغرق في تراب الأرض ، ولم تضع معالمها فيه ، كما ضاعت نفوس الضالين والغاوين ..وقوله تعالى: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » أي راضية بما أرضاها اللّه سبحانه به من فضله ، مرضيّا عنها من ربها .. فالكلمتان حالان من أحوال النفس ، وقد دعيت من ربها إلى الرجوع إليه .. إنها ترجع إلى ربها ، وقد رضيت بما لقيها به ربّها من إكرام وإحسان ، وقد رضى ربها عنها بما قدمت من أعمال طيبة ..

فاللّه سبحانه وتعالى يرضى ويرضى ، يرضى عن عباده المحسنين ، ويرضيهم بإحسانه ، كما يقول سبحانه: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا » .. وفى الجمع بين صفة الرضا للنفس ، والرضا من اللّه عنها ـ إشارة إلى أن هذا الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم متصل ، لأنه مستمد من رضا اللّه عنها ، وأنه ليس مجرد شعور يطرقها ، أو خاطر يطوف بها ، ثم يذهب هذا الشعور ، ويغيب هذا الخاطر ، مع موجات الخواطر ، والمشاعر التي تموج في كيان الإنسان ..!! كلا إنه رضا لا ينقطع أبدا ..

وقوله تعالى: « فَادْخُلِي فِي عِبادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي » ـ هو دعوة إلى هذه النفس المطمئنة ، بعد أن عادت إلى ربها ، أن تأخذ مكانها بين عباده الذين أضافهم سبحانه وتعالى إليه ، وجعلهم في مقام كرمه وإحسانه ، وأدخلهم جنته التي أعدها لهم ، فلتأخذ هى مكانها معهم من تلك الجنة ، ولتنعم بما ينعم به عباد اللّه المكرمون ، من نعيم لم تره عين ، ولم تسمع به أذن ، ولم يخطر على قلب بشر .. جعلنا اللّه منهم ، وألحقنا بهم ، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة [1]

ودك الأرض ، تحطيم معالمها وتسويتها؛ وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة . فأما مجيء ربك والملائكة صفًا صفا ، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1560)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت