الصفحة 591 من 1282

ولكنا نحس وراء التعبير بالجلال والهول . كذلك المجيء بجهنم . نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى . فأما حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب الله المكنون ليومه المعلوم .

إنما يرتسم من وراء هذه الآيات ، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم ، الشديدة الأسر ، مشهد ترجف له القلوب ، وتخشع له الأبصار . والأرض تدك دكًا دكا! والجبار المتكبر يتجلى ويتولى الحكم والفصل ، ويقف الملائكة صفًا صفا . ثم يجاء بجهنم فتقف متأهبة هي الأخرى!

{ يومئذ يتذكر الإنسان } . . الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء . والذي أكل التراث أكلًا لما ، وأحب المال حبًا جما . والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين . والذي طغى وأفسد وتولى . . يومئذ يتذكر . يتذكر الحق ويتعظ بما يرى . . ولكن لقد فات الأوان { وأنَّى له الذكرى؟ } . . ولقد مضى عهد الذكرى ، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحدًا! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا!

وحين تتجلى له هذه الحقيقة: { يقول: يا ليتني قدمت لحياتي } . . يا ليتني قدمت شيئًا لحياتي هنا . فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة . وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها . يا ليتني . . أمنية فيها الحسرة الظاهرة ، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة!

ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد } . . إنه الله القهار الجبار . الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد . والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد . وعذاب الله ووثاقه يفصلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله ، ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم . أو عذاب الخلق جميعًا ووثاقهم . وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثلين في عاد وثمود وفرعون ، وإكثارهم من الفساد في الأرض ، مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال . فها هو ذا ربك أيها النبي وأيها المؤمن يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم . ولكن شتان بين عذاب وعذاب ، ووثاق ووثاق . . وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر ، وجل ما يفعله صاحب الخلق والأمر . فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون . فسيعذبون هم ويوثقون ، عذابًا ووثاقًا وراء التصورات والظنون!

وفي وسط هذا الهول المروع ، وهذا العذاب والوثاق ، الذي يتجاوز كل تصور تنادى { النفس } المؤمنة من الملأ الأعلى: يا أيتها النفس المطمئنة .

ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . وادخلي جنتي . .هكذا في عطف وقرب: { يا أيتها } وفي روحانية وتكريم: { يا أيتها النفس } . . وفي ثناء وتطمين . . يا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت