الصفحة 612 من 1282

فحياة الإنسان ـ كل إنسان ـ في هذه الدنيا ، هى شدائد ، ومعاناة.

فما يسلم إنسان أبدا من هموم الحياة وآلامها ، النفسية ، أو الجسدية ، فكم يفقد الإنسان من صديق وحبيب ؟ وكم يتداعى على جسده من أمراض وعلل ؟ وكم ؟

وكم ؟ مما يطرق الناس من أحداث على مر الأيام ، وكر الليالى ؟ فالشباب يذبل ويولّى ، والقوة تتبدد وتصبح وهنا وضعفا ، وهذا الجسد الذي ملأ الدنيا حياة وحركة سيعصف به الموت يوما ، ويلقى به في باطن الأرض ، جثة هامدة متعفنة ، لا تلبث أن تصير ترابا!.

فالإنسان وحده من بين المخلوقات ـ فيما نعلم ـ هو الذي تستبدّ به هذه المخاوف ، وتطرقه هذه التصورات ، على خلاف سائرا لأحياء التي تقطع مسيرتها في الحياة ، في غير قلق أو إزعاج من المستقبل الذي ينتظرها .. إنها لا تنظر إليه ، ولا تتصوره ، ولا تعيش فيه قبل أن يصبح واقعا ..

أما الإنسان ، فإنه يعيش في المستقبل أكثر مما يعيش في الواقع ، حتى إنه ليرى بعين الغيب في يوم مولده ، ما هو مقبل عليه من آلام ومكابدات في مستقبل حياته .. يقول ابن الرومي.

لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلّا فما يبكيه منها ، وإنها لأرحب مما كان فيه وأرغد

هذا هو الإنسان ، وتلك هى مسيرته في الحياة ، فلا يفترنّ جاهل بقوته ، ولا يركننّ مغرور إلى ما بين يديه من مال وسلطان .. فكل زائل وقبض الريح! ..

قوله تعالى: « أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ » ؟

هو إلفات لهذا المغرور بقوته ، المعتزّ بسلطانه وجاهه ، المفتون بنفسه ، المتشامخ بذاته ، حتى ليحسب أن أحدا لن يقدر عليه ، ولن يسلبه شيئا مما معه ..

إنه أضعف من أن يثبت لنخسة من نخسات الحياة ، كما يقول سبحانه: « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً » (54: الروم) ويقول سبحانه: « وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا » (28: النساء) وإن بعوضة تلسعه لتحرق جسده بالحمى ، وإن جرثومة تتدسس إلى كيانه لتهدّ بنيانه ، وتقوض أركانه!! ثم ما قوة هذا الإنسان ؟ أهو أقوى من خالقه الذي خلقه من نطفة ثم سواه رجلا ؟

فما أضعف الإنسان ، وما أخف وزنه ، إذا كان معياره قائما مع هذا الجسد ، دون أن يكون لروحه حساب ، أو لنفسه اعتبار! وقوله تعالى: « يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا » هكذا يقول الإنسان مباهيا مفاخرا بما أنفق من مال ..

واللبد: الكثير ، الذي جمع بعضه إلى بعض ، فكان أكداسا مكدسة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت