الصفحة 613 من 1282

وفيم أهلك هذا السفيه المغرور هذا المال الكثير ؟ أفي ابتناء محمدة ، أو اكتساب مكرمة ؟ أو إغاثة ملهوف ؟ أو إطعام جائع ؟ كلّا .. إنه لا يعرف وجها من هذه الوجوه ولا تنضح يده لها بدرهم ، من هذا المال الكثير الذي أهلكه .. إنه أهلكه في مباذله ، وفى استرضاء شهواته ، وإشباع نزواته .. ولهذا فهو مال هالك ، ومهلك لمن أنفقه وهذا بعض السرّ في قوله تعالى: « أهلكت » الذي يدل على أن هذا المال ذهب في طريق الضياع والفساد.

وقوله تعالى: « أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ؟ » أي أيحسب هذا السفيه المفتون ، أن عين اللّه لا تراه ، ولا تكشف عن هذه الوجوه المنكرة التي يهلك فيها هذا المال اللبد ؟ وكلّا ، فإنه محاسب على هذا المال الذي أهلكه في وجوه الضلال ، والبغي والعدوان .. [1]

تبدأ السورة بالتلويح بقسم عظيم ، على حقيقة في حياة الإنسان ثابتة: { لا أقسم بهذا البلد . وأنت حل بهذا البلد . ووالد ما ولد . لقد خلقنا الإنسان في كبد } .

والبلد هو مكة . بيت الله الحرام . أول بيت وضع للناس في الأرض . ليكون مثابة لهم وأمنًا . يضعون عنده سلاحهم وخصوماتهم وعداواتهم ، ويلتقون فيه مسالمين ، حرامًا بعضهم على بعض ، كما أن البيت وشجره وطيره وكل حي فيه حرام . ثم هو بيت إبراهيم والد إسماعيل أبي العرب والمسلمين أجمعين .

ويكرم الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيذكره ويذكر حله بهذا البلد وإقامته ، بوصفها ملابسة تزيد هذا البلد حرمة ، وتزيده شرفًا ، وتزيده عظمة . وهي إيماءة ذات دلالة عميقة في هذا المقام . والمشركون يستحلون حرمة البيت ، فيؤذون النبي والمسلمين فيه ، والبيت كريم ، يزيده كرمًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حل فيه مقيم . وحين يقسم الله سبحانه بالبلد والمقيم به ، فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته ، فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم ، موقفًا منكرًا قبيحًا من جميع الوجوه .

ولعل هذا المعنى يرشح لاعتبار: { ووالد وما ولد } . . إشارة خاصة إلى إبراهيم ، أو إلى إسماعيل عليهما السلام وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به ، وبانيه الأول وما ولد . . وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو: والد وما ولد إطلاقًا . وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية ، واعتمادها على التوالد . تمهيدًا للحديث عن حقيقة الإنسان التي هي مادة السورة الأساسية .

وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من تفسيره للسورة في « جزء عم » لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه « الظلال » فنستعيرها منه هنا . . قال رحمه الله:

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1566)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت