فهرس الكتاب
إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا . تختلف أشكاله وأسبابه . ولكنه هو الكبد في النهاية . فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى . وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة ، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله .
على أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء . إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير .
ليس مثله طمأنينة بال وارتياحًا للبذل ، واسترواحًا بالتضحية ، فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين ، أو للانطلاق من هذه الأثقال ، ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان! والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل نزوة . . ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه .
وبعد تقرير هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية يناقش بعض دعاوى « الإنسان » وتصوراته التي تشي بها تصرفاته: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ يقول: أهلكت مالًا لبدا . أيحسب أن لم يره أحد؟ } .
إن هذا « الإنسان » المخلوق في كبد ، الذي لا يخلص من عناء الكدح والكد ، لينسى حقيقة حاله وينخدع بما يعطيه خالقه من أطراف القوة والقدرة والوجدان والمتاع ، فيتصرف تصرف الذي لا يحسب أنه مأخوذ بعمله ، ولا يتوقع أن يقدر عليه قادر فيحاسبه . . فيطغى ويبطش ويسلب وينهب ، ويجمع ويكثر ، ويفسق ويفجر ، دون أن يخشى ودون أن يتحرج . . وهذه هي صفة الإنسان الذي يعرى قلبه من الإيمان .
ثم إنه إذا دعي للخير والبذل ( في مثل المواضع التي ورد ذكرها في السورة ) { يقول: أهلكت مالًا لبدًا } . . وأنفقت شيئًا كثيرًا فحسبي ما أنفقت وما بذلت! { أيحسب أن لم يره أحد } ؟ وينسى أن عين الله عليه ، وأن علمه محيط به ، فهو يرى ما أنفق ، ولماذا أنفق؟ ولكن هذا « الإنسان » كأنما ينسى هذه الحقيقة ، ويحسب أنه في خفاء عن عين الله! [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-شرف مكة وحرمتها وعلو شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسمو مقامه وهو فيها وقد أحلها الله تعالى له ولم يحلها لأحد سواه .
2-شرف آدم وذريته الصالحين منهم .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3910)