الصفحة 619 من 1282

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ أي ألم أمنحك أيها الإنسان الجاهل المغرور بقوتك ، المرائي بعملك بإنفاق المال طلبا للشهرة والسمعة ، أمنحك العينين اللتين تبصر بهما ، واللسان الذي تنطق به ، والشفتين اللتين تستر بهما ثغرك ، وتستعين بهما على الكلام وأكل الطعام ، وجمالا لوجهك وفمك ، والمراد أنني أنا اللَّه الذي منحتك القدرة على البصر والنطق أو الكلام.

وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي ألم نبين لك ونعرفك طريق الخير والشر ، فأودعنا في فطرتك السليمة أداة التمييز بينهما ، وجعلنا لك من العقل والفكر ما تستطيع به إدراك محاسن الخير ، ومفاسد الشر وأبعاد كل منهما. وعبّر عن هذين الطريقين بالنجدين: وهما الطريقان المرتفعان ، للدلالة على صعوبتهما وعورتهما ، واحتياجهما إلى مجاهدة النفس لعبورهما بشدة وسرعة.

لذا أردفه ببيان وجوب اختيار الأفضل وشكر تلك النعم ، فقال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ أي فهلا نشط واخترق الموانع المانعة من طاعة اللَّه ، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان ، وهلا جاهد نفسه لاجتياز الطريق الصعب ، وأي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة ؟ استفهام للتفخيم والتعظيم.

ثم أرشد إلى طريق اقتحامها فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ ، أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ أي إن اقتحام العقبة ودخولها يكون بإعتاق الرقبة من العبودية ، وتخليصها من إسار الرق ، أو المعاونة عليه ، أو إطعام في يوم المجاعة الذي يعز فيه الطعام اليتيم القريب: وهو الصغير الذي فقد أباه ، وكان قريبا في نسبه من المطعم ، أو إطعام المسكين المحتاج الذي لا شيء له ، ولا قدرة على كسب المال لضعفه وعجزه ، كأنه ألصق يده بالتراب ، لفقد المال.

فمن حرر الرقبة أو أطعم اليتيم أو المسكين في يوم المجاعة ، كان طائعا للَّه ، نافعا عباده ، فهو من أصحاب اليمين. وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان.

قال الصاوي على الجلالين: إنما قيّد الإطعام بيوم المجاعة لأن إخراج المال فيه أشد على النفس. وقد يستدل بقوله: أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ للشافعي: أن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، وأنه قد يكون بحيث يملك شيئا ، وإلا وقع قوله: ذا مَتْرَبَةٍ تكرارا. وقد استدل أبو حنيفة بتقديم العتق على أنه أفضل من الصدقة ، وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة إنقاذ النفس من الهلاك فإن الغذاء قوام البدن ، وأما الفك فهو تخليص من القيد في الأغلب.

أخرج أحمد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَهِىَ فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ » . [1] .

(1) - مسند أحمد - (17789) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت