فهرس الكتاب
القدرة على إدراك الخير والشر ، والهدى والضلال ، والحق والباطل: { وهديناه النجدين } . . ليختار أيهما شاء ، ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين . والنجد الطريق المرتفع . وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء ، وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقًا لحكمة الله في الخلق ، وإعطاء كل شيء خلقه ، وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود
وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية؛ كما أنها تمثل قاعدة « النظرية النفسية الإسلامية » هي والآيات الأخرى في سورة الشمس: { ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( وسنرجئ عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالًا ) .
هذه الآلاء التي أفاضها الله على الجنس الإنسان في خاصة نفسه ، وفي صميم تكوينه ، والتي من شأنها أن تعينه على الهدى: عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان؛ وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه . ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير؛ وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير . والكلمة أحيانًا تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر؛ وأحيانًا تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه . في هذه النار . . « عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ، ونحن نسير ، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني عن النار . قال: » سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله . قال: الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين . ثم تلا قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . . . } . ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله . قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد . ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله . قال: كف عليك هذا ، وأشار إلى لسانه . قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ « رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه .
وهدايته إلى إدراك الخير والشر ، ومعرفة الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار ، وإعانته على الخير بهذه الهداية . .
هذه الآلاء كلها لم تدفع هذا » الإنسان « إلى اقتحام العقبة التي تحول بينه وبين الجنة . هذه العقبة التي يبينها الله له في هذه الآيات: فلا اقتحم العقبة . . وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة .