الصفحة 628 من 1282

أو إطعام في يوم ذي مسغبة ، يتيمًا ذا مقربة ، أو مسكينًا ذا متربة . ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة . أولئك أصحاب الميمنة . .

هذه هي العقبة التي يقتحمها الإنسان إلا من استعان بالإيمان هذه هي العقبة التي تقف بينه وبين الجنة . لو تخطاها لوصل! وتصويرها كذلك حافز قوي ، واستجاشة للقلب البشري ، وتحريك له ليقتحم العقبة وقد وضحت ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم . . { فلا اقتحم العقبة } ! ففيه تحضيض ودفع وترغيب!

ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم: { وما أدراك ما العقبة! } .. إنه ليس تضخيم العقبة ، ولكنه تعظيم شأنها عند الله ، ليحفز به « الإنسان » إلى اقتحامها وتخطيها؛ مهما تتطلب من جهد ومن كبد . فالكبد واقع واقع . وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده ، ولا يذهب ضياعًا وهو واقع واقع على كل حال!

ويبدأ كشف العقبة وبيان طبيعتها بالأمر الذي كانت البيئة الخاصة التي تواجهها الدعوة في أمسّ الحاجة إليه: فك الرقاب العانية؛ وإطعام الطعام والحاجة إليه ماسة للضعاف الذين تقسو عليهم البيئة الجاحدة المتكالبة ، وينتهي بالأمر الذي لا يتعلق ببيئة خاصة ولا بزمان خاص ، والذي تواجهه النفوس جميعًا ، وهي تتخطى العقبة إلى النجاة: { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } . .

وقد ورد أن فك الرقبة هو المشاركة في عتقها ، وأن العتق هو الاستقلال بهذا . . وأيًا ما كان المقصود فالنتيجة الحاصلة واحدة .

وقد نزل هذا النص والإسلام في مكة محاصر؛ وليست له دولة تقوم على شريعته . وكان الرق عامًا في الجزيرة العربية وفي العالم من حولها . وكان الرقيق يعاملون معاملة قاسية على الإطلاق . فلما أن أسلم بعضهم كعمار بن ياسر وأسرته ، وبلال بن رباح ، وصهيب . . وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا اشتد عليهم البلاء من سادتهم العتاة ، وأسلموهم إلى تعذيب لا يطاق . وبدا أن طريق الخلاص لهم هو تحريرهم بشرائهم من سادتهم القساة ، فكان أبو بكر رضي الله عنه هو السابق كعادته دائمًا إلى التلبية والاستجابة في ثبات وطمأنينة واستقامة . .

قال ابن إسحاق: « وكان بلال مولى أبي بكر رضي الله عنهما لبعض بني جمح مولدا من مولديهم وكان صادق الإسلام ، طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة؛ ثم يأمرهم بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد . . »

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت