وأولئك الذين يقتحمون العقبة كما وصفها القرآن وحددها { أولئك أصحاب الميمنة } . . وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى . أو أنهم أصحاب اليمين والحظ والسعادة . . وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني .
{ والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة . عليهم نار مؤصدة } . .ولم يحتج هنا إلى ذكر أوصاف أخرى لفريق المشأمة غير أن يقول: { والذين كفروا بآياتنا } . . لأن صفة الكفر تنهي الموقف . فلا حسنة مع الكفر . ولا سيئة إلا والكفر يتضمنها أو يغطي عليها . فلا ضرورة للقول بأنهم الذين لا يفكون الرقاب ولا يطعمون الطعام ، ثم هم الذين كفروا بآياتنا . . فإذا كفروا فما هو بنافعهم شيء من ذلك حتى لو فعلوه!
وهم أصحاب المشأمة . أي أصحاب الشمال أو هم أصحاب الشؤم والنحس . . وكلاهما كذلك قريب في المفهوم الإيماني . وهؤلاء هم الذين بقوا وراء العقبة لم يقتحموها!
{ عليهم نار مؤصدة } . . أي مغلقة . . إما على المعنى القريب . . أي أبوابها مغلقة عليهم وهم في العذاب محبوسون . وإما على لازم هذا المعنى القريب؛ وهو أنهم لا يخرجون منها . فبحكم إغلاقها عليهم لا يمكن أن يزايلوها . . وهذان المعنيان متلازمان . .
هذه هي الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني ، وفي التصور الإيماني . تعرض في هذا الحيز الصغير . بهذه القوة وبهذا الوضوح . . وهذه خاصية التعبير القرآني الفريد . . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-التنديد بمن ينفق ماله في معصية الله ورسوله ، والنصح له بالإِنفاق في الخير فإِنه أجدى له ، وأنجى من عذاب الله .
2-بيان أن عقبة عذاب الله يوم القيامة تقتحم وتجتاز بالإِنفاق في سبيل الله وبالإِيمان والعمل الصالح والتواصي به .
3-التنديد بالكفر والوعيد الشديد لأهله .
4-ذكر اللَّه تعالى للمقابلة والمقارنة والعظة أصحاب الشمال بعد أصحاب اليمين ، والفريق الأول هم الذين كفروا بالقرآن ، وهم الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم ، ومصيرهم إلى النار التي تطبق وتغلق أبوابها عليهم.
5-جيء بآيات أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ للتذكير بنعم اللَّه تعالى على الإنسان من البصر والنطق والجمال والعقل والفكر المميز بين الحق والباطل وبيان طريقي الخير والشر ، وللدلالة على كمال قدرة اللَّه تعالى ، ولبيان مبدأ اختيار الإنسان للإيمان والكفر
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3910)