الصفحة 658 من 1282

* وختمت السورة بذكر نموذج للمؤمن الصالح ، الذي ينفق ماله في وجوه الخير ، ليزكي نفسه ويصونها من عذاب الله ، وضربت المثل بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، حين اشترى بلالا وأعتقه في سبيل الله [ وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ، وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، ولسوف يرضى ] . [1]

مقصودها الدلالة على مقصود الشمس ، وهو التصرف التام في النفوس بإثبات كمال القدرة بالاختيار باختلاف الناس في السعي مع اتحاد مقاصدهم ، وزهي الوصول إلى الملاذ من شهوة البطن والفرج وما يتبع ذكلك من الراحة ، واسمها الليل أوضح ما فيها على ذلك بتأمل القسم والجواب ، والوقوع من ذلك على الصواب ، وأيضا ليل نفسه دال على ذلك لأنه على غير مراد النفس بما فيه من الظلام والنوم الذي هو أخو الموت ، وذلك مانع عن أكثر المرادات ، ومقتضى لأكثر المضادات ) بسم الله ( الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة ) الرحمن ( الذي شملت نعمته إيجاده وبيانه المتواترة ) الرحيم ( الذي خص من أراده بما يرضيه ، فجعله حامده وشاكره . [2]

في إطار من مشاهد الكون وطبيعة الإنسان تقرر السورة حقيقة العمل والجزاء . ولما كانت هذه الحقيقة منوعة المظاهر: { إن سعيكم لشتى . فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } . . وكانت العاقبة كذلك في الآخرة مختلفة وفق العمل والوجهة: { فأنذرتكم نارًا تلظى . لا يصلاها إلا الأشقى . الذي كذب وتولى . وسيجنبها الأتقى ، الذى يؤتي ماله يتزكى . . } .

لما كانت مظاهر هذه الحقيقة ذات لونين ، وذات اتجاهين . . كذلك كان الإطار المختار لها في مطلع السورة ذا لونين في الكون وفي النفس سواء: { والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى } . . { وما خلق الذكر والأنثى } . . وهذا من بدائع التناسق في التعبير القرآني . [3]

فضلها:

قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ لَهُ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُصَلِّى الْمَغْرِبَ ، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ لَيُصَلِّىَ مَعَهُ ، فَقَرَأَ مُعَاذٌ الْبَقَرَةَ ، أَوِ النِّسَاءَ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ . فَأَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -:« أَفَاتِنٌ أَنْتَ أَوْ قَالَ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلاَثَ مِرَارٍ . فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ

(1) - صفوة التفاسير ـ للصابونى - (3 / 495)

(2) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (8 / 445)

(3) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3920)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت