الصفحة 668 من 1282

وفى إطلاق الفعل « أعطى » من قيد الشيء المعطى ـ إشارة إلى أمرين:

أولهما: أن ما يعطى لا بد أن يكون شيئا طيبا نافعا لأن الإعطاء يقابله الأخذ ، والإعطاء والأخذ لايتّمان إلا برغبة متبادلة بين المعطى والآخذ .. والآخذ لا يأخذ إلا ما ينفعه ويرضيه ..

والأمر الآخر الذي يشير إليه إطلاق الفعل ، هو أنه لا حدود للإعطاء ، قلّة أو كثرة ، كما يقول سبحانه: « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » .. (91: التوبة) وقوله تعالى: « فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى » أي أن من أخذ طريق الحق ، وشدّ عزمه عليه ، وصرف همه نحوه ، يسّر اللّه له طريقه ، وأعانه على المضي فيه ، لأنه طريق اللّه ، ومن كان على طريق اللّه ، لم يحرم عونه ، وتوفيقه .. وقوله تعالى: « وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى » .

وعلى عكس هذا من يبخل بماله ، ويضنّ ببذله في سبيل اللّه ، وفى وجوه الخير ، ومن وراء هذا البخل تكذيب بالإحسان ، وبخس لقدره ، واعتقاد بعدم جدواه ـ من يفعل هذا ، فهو على طريق الضلال ، يرصده عليه شيطان يغريه ويغويه ، ويدفع به دفعا على هذا الطريق .. وهذا يعنى أن اللّه سبحانه وتعالى ييسّر لكل إنسان طريقه الذي يضع قدمه عليه .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (39: الأنعام) أي من يشأ اللّه إضلاله ، أخلى بينه وبين نفسه ، على طريق الضلال ، وقيض له شيطانا ، فهو له قرين ، ورفيق ، على هذا الطريق كما يقول سبحانه: « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » (36: الزخرف) .. ومن يشأ اللّه هدايته أقام وجهه على طريق الهدى ، وزوده بالزاد الطيب الذي يعينه على مواصلة السير فيه .. وفى هذا يقول الرسول الكريم: « اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له .. »

والعسرى: ضد اليسرى .. وهى من العسر ، والتعقيد ، بخلاف اليسرى فإنها من اليسر والسهولة .. وسميت طريق الضلال « عسرى » لأنها طريق مظلم ، لا معلم من معالم الهدى فيه ، وإن صاحبه ليظل يخبط في ظلام ، ويتردّى في معاثر حتى يرد مورد الهالكين .. أما طريق الهدى ، فهى طريق واضحة المعالم ، لا يضل سالكها أبدا .. « أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (22: الملك)

وقوله تعالى: « وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى » أي أن الذي يخل بماله ، وضمن بالإنفاق منه في وجوه الخير ، لن ينفعه هذا المال الذي أمسكه ، ولن يجد منه عونا ، إذا هو تردّى في هاوية الجحيم!. [1]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1590)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت