الصفحة 669 من 1282

يقسم الله سبحانه بهاتين الآيتين: الليل والنهار . مع صفة كل منهما الصفة المصورة للمشهد . { والليل إذا يغشى } . . { والنهار إذا تجلى } . . الليل حين يغشى البسيطة ، ويغمرها ويخفيها . والنهار حين يتجلى ويظهر ، فيظهر في تجلية كل شيء ويسفر . وهما آنان متقابلان في دورة الفلك ، ومتقابلان في الصورة ، ومتقابلان في الخصائص ، ومتقابلان في الآثار . . كذلك يقسم بخلقه الأنواع جنسين متقابلين: { وما خلق الذكر والأنثى } . . تكملة لظواهر التقابل في جو السورة وحقائقها جميعًا .

والليل والنهار ظاهرتان شاملتان لهما دلالة توحيان بها إيحاء للقلب البشري؛ ولهما دلالة كذلك أخرى عند التدبر والتفكر فيهما وفيما وراءهما . والنفس تتأثر تأثرًا تلقائيًا بتقلب الليل والنهار . الليل إذا يغشى ويعم ، والنهار إذا تجلى وأسفر . ولهذا التقلب حديث وإيحاء . حديث عن هذا الكون المجهول الأسرار ، وعن هذه الظواهر التي لا يملك البشر من أمرها شيئًا . وإيحاء بما وراء هذا التقلب من قدرة تدير الآونة في الكون كما تدار العجلة اليسيرة! وبما هنالك من تغير وتحول لا يثبت أبدًا على حال .

ودلالتهما عند التدبر والتفكر قاطعة في أن هنالك يدًا أخرى تدير هذا الفلك ، وتبدل الليل والنهار . بهذا الانتظام وهذا الاطراد وهذه الدقة . وأن الذي يدير الفلك هكذا يدير حياة البشر أيضًا . ولا يتركهم سدى ، كما أنه لا يخلقهم عبثًا .

ومهما حاول المنكرون والمضلون أن يلغوا في هذه الحقيقة ، وأن يحولوا الأنظار عنها ، فإن القلب البشري سيظل موصولًا بهذا الكون ، يتلقى إيقاعاته ، وينظر تقلباته ، ويدرك تلقائيًا كما يدرك بعد التدبر والتفكر ، أن هنالك مدبرًا لا محيد من الشعور به ، والاعتراف بوجوده من وراء اللغو والهذر ، ومن وراء الجحود والنكران!

وكذلك خلقة الذكر والأنثى . . إنها في الإنسان والثدييات الحيوانية نطفة تستقر في رحم . وخلية تتحد ببويضة . ففيم هذا الاختلاف في نهاية المطاف؟ ما الذي يقول لهذه: كوني ذكرًا ، ويقول لهذه: كوني أنثى؟ .. إن كشف العوامل التي تجعل هذه النطفة تصبح ذكرًا ، وهذه تصبح أنثى لا يغير من واقع الأمر شيئًا . . فإنه لماذا تتوفر هذه العوامل هنا وهذه العوامل هناك؟ وكيف يتفق أن تكون صيرورة هذه ذكرًا ، وصيرورة هذه أنثى هو الحدث الذي يتناسق مع خط سير الحياة كلها ، ويكفل امتدادها بالتناسل مرة أخرى؟

مصادفة؟! إن للمصادفة كذلك قانونًا يستحيل معه أن تتوافر هذه الموافقات كلها من قبيل المصادفة . . فلا يبقى إلا أن هنالك مدبرًا يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة . فلا مجال للمصادفة ، ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت