الصفحة 670 من 1282

والذكر والأنثى شاملان بعد ذلك للأنواع كلها غير الثدييات . فهي مطردة في سائر الأحياء ومنها النبات . . قاعدة واحدة في الخلق لا تتخلف . لا يتفرد ولا يتوحد إلا الخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء . .

هذه بعض إيحاءات تلك المشاهد الكونية ، وهذه الحقيقة الإنسانية التي يقسم الله سبحانه بها ، لعظيم دلالتها وعميق إيقاعها . والتي يجعلها السياق القرآني إطارًا لحقيقة العمل والجزاء في الحياة الدنيا وفي الحياة الأخرى . .

يقسم الله بهذه الظواهر والحقائق المتقابلة في الكون وفي الناس ، على أن سعي الناس مختلف وطرقهم مختلفة ، ومن ثم فجزاؤهم مختلف كذلك؛ فليس الخير كالشر ، وليس الهدى كالضلال . وليس الصلاح كالفساد ، وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى ، وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى . وأن لكل طريقًا ، ولكل مصيرًا ، ولكل جزاء وفاقًا: { إن سعيكم لشتى . فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى ، وكذب بالحسنى ، فسنيسره للعسرى ، وما يغني عنه ماله إذا تردى } . .

إن سعيكم لشتى . . مختلف في حقيقته . مختلف في بواعثه . مختلف في اتجاهه . مختلف في نتائجه . . والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم ، وتختلف مشاربهم ، وتختلف تصوراتهم ، وتختلف اهمتاماتهم ، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص .

هذه حقيقة . ولكن هناك حقيقة أخرى . حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعًا . وتضم هذه العوامل المتباينة كلها . تضمها في حزمتين اثنتين . وفي صفين متقابلين . تحت رايتين عامتين: { من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } . . و { من بخل واستغنى وكذب بالحسنى } . .

من أعطى نفسه وماله . واتقى غضب الله وعذابه . وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل { الحسنى } كانت اسمًا لها وعلمًا عليها .

ومن بخل بنفسه وماله . واستغنى عن الله وهداه . وكذب بهذه الحسنى . .

هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس ، وشتات السعي ، وشتات المناهج ، وشتات الغايات . ولكل منهما في هذه الحياة طريق . . ولكل منهما في طريقه توفيق!

{ فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى . . فسنيسره لليسرى } . .

والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها . عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه سبحانه على نفسه بإرادته ومشيئته .

والذي بدونه لا يكون شيء ، ولا يقدر الإنسان على شيء .

ومن يسره الله لليسرى فقد وصل . . وصل في سر وفي رفق وفي هوادة . . وصل وهو بعد في هذه الأرض . وعاش في يسر . يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت