الصفحة 687 من 1282

ولهذا الشجى الشفيف ، جعل الإطار من الضحى الرائق ، ومن الليل الساجي. أصفى آنين من آونة الليل والنهار. وأشف آنين تسري فيهما التأملات.

وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود. وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه ، وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء. وصوّرهما في اللفظ المناسب. فالليل هو «اللَّيْلِ إِذا سَجى » ، لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه.

الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو ، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف ، والتأمل الوديع. كجو اليتم والعيلة. ثم ينكشف ويجلي مع الضحى الرائق الصافي .. فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار. ويتم التناسق والاتساق» .

إن هذا الإبداع في كمال الجمال ليدل على الصنعة. صنعة اللّه التي لا تماثلها صنعة ، ولا يتلبس بها تقليد! [1]

وفي هذه السورة تطمين النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم ترك اللّه إياه. وتذكير له بما كان من أفضاله عليه ، وحثه على البر باليتيم والسائل والتحدث بنعمة اللّه. وأسلوبها ومضمونها يلهمان أنها نزلت في ظروف أزمة نفسية ألمّت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن نزولها كان في عهد مبكر من الدعوة. وفيها إشارة إلى نشأة النبي - صلى الله عليه وسلم - في طفولته وحاله الاقتصادية والروحية في شبابه. [2]

والقارئ لها ، يرى بوضوح أنها نزلت في فترة تأخر نزول الوحى فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن المشركين قد أشاعوا الشائعات الكاذبة حول سبب تأخر الوحى ، فنزلت هذه السورة الكريمة ، لتخرس ألسنتهم. ولتبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - برضا ربه - تعالى - عنه ، ولتسوق جانبا من نعم خالقه عليه ، ولترشده - بل وترشد أمته في شخصه - بالمداومة على مكارم الأخلاق ، التي من مظاهرها: العطف على اليتيم ، والإحسان إلى السائل ، وعدم كتمان نعم اللّه - تعالى - . [3]

مقصودها الدلالة على آخر الليل بأن أتقى الأتقياء الذي هو الأتقى على الإطلاق في عين الرضا دائما ، لا ينفك عنها في الدنيا والآخرة ، لما تحلى به من صفات الكمال التي هي الإيصال للمقصود بما لها من النور المعنوي كالضحى بما له من النور الحسي الذي هو أشرف ما في النهار وقد علم بهذا أن اسمها أدل ما فيها على مقصودها ) بسم الله ( المعز لمن أراد ، الكريم البر الودود ذي الجلال والإكرام ) الرحمن ( الذي عمن بنعمته الإيجاد الخاص والعام ) الرحيم ( الذي أعلى أهل وده فخصهم بإتمام الإنعام . [4]

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3925)

(2) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 549)

(3) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (15 / 425)

(4) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (8 / 452)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت