الصفحة 69 من 1282

-صلى الله عليه وسلم - وتواسيه وتوجهه إلى الاستعاذة بربه من كل شر ، كسور الضحى . والانشراح . والكوثر . والفلق . والناس . . وهي سور قليلة على كل حال . .

وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء . هناك أناقة واضحة في التعبير ، مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس ، وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل ، تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين ، لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات . . يتجلى هذا كله بصورة واضحة في مثل تعبيره اللطيف عن النجوم التي تخنس وتتوارى كالظباء في كناسها وتبرز ، وعن الليل وكأنه حي يعس في الظلال ، والصبح وكأنه حي يتنفس بالنور: { فلا أقسم بالخنس . الجوار الكنس؛ والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفس } وفي عرضه لمشاهد الغروب والليل والقمر: { فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق } أو لمشاهد الفجر والليل وهو يتمشى ويسري: { والفجر . وليال عشر . والشفع والوتر . والليل إذا يسر } { والضحى . والليل إذا سجى } وفي خطابه الموحي للقلب البشري: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ الذي خلقك فسواك فعدلك . . } وفي وصف الجنة: { وجوه يومئذ ناعمة ، لسعيها راضية ، في جنة عالية ، لا تسمع فيها لاغية . . } ووصف النار: { وأما من خفت موازينه فأمه هاوية . وما أدراك ماهيه؟ نار حامية! } والأناقة في التعبير واضحة وضوح القصد في اللمسات الجمالية لمشاهد الكون وخوالج النفس .

والعدول أحيانًا عن اللفظ المباشر إلى الكناية ، وعن اللفظ القريب إلى الاشتقاق البعيد ، لتحقيق التنغيم المقصود ، مما يؤكد هذه اللفتة خلال الجزء كله على وجه التقريب . .

وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس ، والدنيا والآخرة؛ واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثرًا في الحس والضمير .

وهي تفتتح بسؤال موح مثير للاستهوال والاستعظام وتضخيم الحقيقة التي يختلفون عليها ، وهي أمر عظيم لا خفاء فيه ، ولا شبهة؛ ويعقب على هذا بتهديدهم يوم يعلمون حقيقته: { عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم ، الذي هم فيه مختلفون . كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون! } ومن ثم يعدل السياق عن المعنى في الحديث عن هذا النبأ ويدعه لحينه ، ويلفتهم إلى ما هو واقع بين أيديهم وحولهم ، في ذوات أنفسهم وفي الكون حولهم من أمر عظيم ، يدل على ما وراءه ويوحي بما سيتلوه: ألم نجعل الأرض مهادًا ، والجبال أوتادًا؟ وخلقناكم أزواجًا؟ وجعلنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت