الصفحة 730 من 1282

وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى دون ريب ، حيث يمد كل صاحب دعوة إلى سبيل اللّه والخير العام بقوة الروح ، وسكينة النفس وطمأنينة القلب والاندفاع فيما هو بسبيله ، واقتحام صعابه وعقباته وتحمل العناء ، راضيا مطمئنا إلى أن يصل إلى هدفه ، ويكون له بعد العسر يسر إذا ما تشبع قلبه بالإيمان ، وامتلأ بعظمة اللّه واتجه إليه وحده واستصغر كل ما عداه. [1]

{ ألم نشرح لك صدرك؟ } . . ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة؟ ونيسر لك أمرها؟ . ونجعلها حبيبة لقلبك ، ونشرع لك طريقها؟ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة!

فتش في صدرك ألا تجد فيه الروْح والانشراح والإشراق والنور؟ واستعد في حسك مذاق هذا العطاء ، وقل: ألا تجد معه المتاع مع كل مشقة والراحة مع كل تعب ، واليسر مع كل عسر ، والرضى مع كل حرمان؟

{ ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك } . . ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك حتى كاد يحطمه من ثقله . . وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان . وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب . . وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة ويعينك على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين .

ألا تجد ذلك العبء الذي أنقض ظهرك؟ ألا تجد عبئك خفيفًا بعد أن شرحنا لك صدرك؟

{ ورفعنا لك ذكرك } . . رفعناه في الملأ الأعلى ، ورفعناه في الأرض ، ورفعناه في هذا الوجود جميعًا . . رفعناه فجعلنا اسمك مقرونًا باسم الله كلما تحركت به الشفاه:

« لا إله إلا الله . محمد رسول الله » . . وليس بعد هذا رفع ، وليس وراء هذا منزلة . وهو المقام الذي تفرد به - صلى الله عليه وسلم - دون سائر العالمين . .

ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ ، حين قدر الله أن تمر القرون ، وتكر الأجيال ، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم ، مع الصلاة والتسليم ، والحب العميق العظيم .

ورفعنا لك ذكرك . وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهي الرفيع . وكان مجرد الاختيار لهذا الأمر رفعة ذكر لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود . .

فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء؟

ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار ، ويسري عنه ، ويؤنسه ، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه: { فإن مع العسر يسرا .إن مع العسر يسرا } . .

(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 558)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت