الصفحة 731 من 1282

إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه . وقد لازمه معك فعلًا . فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك ، فخف حملك ، الذي أنقض ظهرك . وكان اليسر مصاحبًا للعسر ، يرفع إصره ، ويضع ثقله .

وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه: { فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا } . . وهذا التكرار يشي بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان في عسرة وضيق ومشقة ، اقتضت هذه الملاحظة ، وهذا التذكير ، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية ، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية ، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد . . والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمرًا عظيمًا . .

ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير ، وأسباب الانشراح ، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل: { فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب } . .

إن مع العسر يسرا . . فخذ في أسباب اليسر والتيسير . فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض ، ومع شواغل الحياة . . إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد . . العبادة والتجرد والتطلع والتوجه . . { وإلى ربك فارغب } . . إلى ربك وحده خاليًا من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم . . إنه لا بد من الزاد للطريق . وهنا الزاد . ولا بد من العدة للجهاد . وهنا العدة . . وهنا ستجد يسرا مع كل عسر ، وفرجًا مع كل ضيق . . هذا هو الطريق!

وتنتهي هذه السورة كما انتهت سورة الضحى ، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين: الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل الذي ينسم على روح الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ربه الودود الرحيم . والشعور بالعطف على شخصه - صلى الله عليه وسلم - ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة التي اقتضت ذلك الود الجميل .

إنها الدعوة . هذه الأمانة الثقيلة وهذا العبء الذي ينقض الظهر . وهي مع هذا وهذا مشرق النور الإلهي ومهبطه ، ووصلة الفناء بالبقاء ، والعدم بالوجود! [1]

ما ترشد إليه الآياتُ

1-بيان ما أكرم الله تعالى به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من شرح صدره ومغفرة ذنوبه ورفع ذكره

فهذه باقة أخرى من نعم اللَّه على نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، بالإضافة لما ذكر في سورة الضحى السابقة ، وهي:

أولا- شرح الصدر ، أي جعله فسيحا رحيبا ، قويا عظيما لتحمل أعباء النبوة والرسالة.

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3930)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت