فهرس الكتاب
وعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ". [1]
وَطُورِ سِينِينَ هو الجبل الذي كلّم اللَّه عليه موسى بن عمران عليه السلام ، وهو طور سيناء.
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ أي مكة المكرمة التي كرمها اللَّه بالكعبة المشرفة ، وبميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإرساله فيه ، سمي أمينا لأنه آمن ومأمون فيه ، كما قال تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا [آل عمران 3/ 97] .
أقسم اللَّه سبحانه بهذه المواضع الثلاثة لأنها مهابط وحي اللَّه على أولي العزم من الرسل ، ومنها أضاءت الهداية للبشر. وجاء في آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء اللَّه من طور سيناء- يعني الذي كلم اللَّه عليه موسى بن عمران- وأشرق من ساعير- يعني جبل بيت المقدس الذي بعث اللَّه منه عيسى- واستعلن من جبال فاران- يعني جبال مكة التي أرسل اللَّه منها محمدا - صلى الله عليه وسلم - .
وذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان ، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ، ثم بالأشرف منهما.
ثم ذكر جواب القسم المحلوف عليه ، فقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي أقسم بالأشياء الثلاثة المذكورة على أننا خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأجمل شكل ، منتصب القامة ، سويّ الأعضاء ، حسن التركيب ، يأكل بيده ، يتميز بالعلم والفكر والكلام والتدبير والحكمة ، فصلح بذلك أن يكون خليفة مستخلفا في الأرض كما أراد اللَّه له.
والخلاصة: خلقناه في أحسن تعديل شكلا وانتصابا ، كما قال أكثر المفسرين.
ذكر القرطبي القصة التالية التي توضح حسن تقويم الإنسان ، فقال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبّا شديدا ، فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه ، وقالت: طلقتني! وبات بليلة عظيمة ، فلما أصبح ، غدا إلى دار المنصور ، فأخبره الخبر ، وأظهر للمنصور جزعا عظيما ، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم ، فقال جميع من حضر: قد طلّقت إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة ، فإنه كان ساكتا.
فقال له المنصور: مالك لا تتكلم ؟ فقال له الرجل: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. يا أمير المؤمنين ، فالإنسان أحسن الأشياء ، ولا شيء أحسن منه.
فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل ، فأقبل على زوجتك. وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل: أن أطيعي زوجك ولا تعصيه ، فما طلقك.
(1) - المعجم الكبير للطبراني - (14 / 173) (15940 ) صحيح لغيره