فهرس الكتاب
ثم عقب القرطبي على هذا قائلا: فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق اللَّه باطنا وظاهرا ، جمال هيئة ، وبديع تركيب: الرأس بما فيه ، والصدر بما جمعه ، والبطن بما حواه ، والفرج وما طواه ، واليدان وما بطشتاه ،والرجلان وما احتملتاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه [1] .
لكنه غفل عن هذه المقومات ، وأهمل هذه الميزات ، وأخذ يعمل بهواه وشهواته ، لذا قال تعالى:ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قيل: إلى النار التي هي أسفل الدرجات إن لم يطع اللَّه ويتبع الرسل ، والأولى أن يقال: رددناه إلى أرذل العمر ، وهو الهرم والضعف ، والخرف ونقص العقل ، بعد الشباب والقوة ، وجمال النطق ، وسلامة الفكر.
والقول الأول ، أي إلى النار بسبب كفر بعض الناس هو قول الحسن ومجاهد وأبي العالية وابن زيد وقتادة ، وعلى هذا يكون الاستثناء الآتي: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا .. استثناء متصلا.
والقول الثاني ، أي إلى أرذل العمر هو قول ابن عباس وعكرمة والضحاك والنخعي ، وعلى هذا يكون الاستثناء التالي منقطعا. وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا ، بل في الجنس من يعتريه ذلك. واختار ذلك ابن جرير.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي إلا الذين آمنوا باللَّه ورسله واليوم الآخر ، وعملوا صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات ، فلهم ثواب على طاعاتهم دائم غير منقطع.
والمعنى كما أشرنا على التفسير الأول وكون الاستثناء متصلا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بأن جمعوا بين الإيمان والعمل في حال الاستطاعة ، فلهم ثواب جزيل ، ينجون به من النار أسفل السافلين ، وهو الجنة دار المتقين.
والمعنى على التفسير الثاني وكون الاستثناء منقطعا وهو الراجح لدينا: لكن المؤمنين المتقين ، فإن اللَّه يكافئهم بثواب دائم غير منقطع ، بسبب صبرهم على ما ابتلوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان ، مع ضعف البنية ، وفتور الأعضاء ، أي أنهم قد يردون إلى أرذل العمر كغيرهم ، لكن لهم أجرا كبيرا دائما على أفعالهم.
قال الألوسي: المتبادر من السياق الإشارة إلى حال الكافر يوم القيامة ، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها ، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها لعدم شكره تلك النعمة وعمله بموجبها [2] .
(1) - تفسير القرطبي: 20/ 114
(2) - تفسير الألوسي: 30/ 476