فهرس الكتاب
طور سينين والبلد الأمين ، اللهم إلا إذا قلنا: إن طور سيناء ينبت فيه التين والزيتون ، ويطيب ثمره ، فتكون العلاقة بينهما علاقة نسبة إلى المكان ، ويقوّى هذه النسبة أن القرآن الكريم أشار في موضع آخر إلى منبت شجرة الزيتون ، وأن طور سيناء هو أطيب منبت لها ، إذ يقول سبحانه: « وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ » .
(20: المؤمنون) وقيل: إن التين والزيتون فاكهتان ، ولكن لم يقسم بهما هنا لفوائدهما ، بل لما يذكّران به من الحوادث العظيمة التي لها آثارها الباقية وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى أراد أن يذكّرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل ، من أول نشأته إلى مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فالتين ، إشارة إلى عهد الإنسان الأول ، فإن آدم ـ كما تقول التوراة ـ كان يستظل في الجنة بشجر التين ، وعند ما بدت له ولزوجه سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين .. فهذا أول فصل من فصول حياة الإنسان ..
والزيتون ، إشارة إلى الفصل الثاني ، وهو عهد نوح ، وذلك أنه بعد أن فسد البشر ، وأهلك اللّه من أهلك بالطوفان ، ونجّى نوحا ومن معه في السفينة ، واستقرت السفينة على اليابسة ـ نظر نوح ـ كما تقول التوراة ـ إلى ما حوله ، فرأى الحياة لا تزال تغطى وجه الأرض ، فأرسل حمامة تأتى له بدليل على انحسار المياه عن وجه الأرض ، فجاءت إليه وفى فمها وريقات من شجر الزيتون ، فعرف أن المياه بدأت تظهر على وجه الأرض من جديد! أما طور سينين ، فهو إشارة إلى الفصل الثالث من حياة الإنسان ، وهو ظهور الشريعة الموسوية ، وقد كانت تلك الشريعة دعوة لكثير من أنبياء اللّه ورسوله إلى عهد المسيح عليه السلام ، الذي كان خاتمة هذه الشريعة.
وأما البلد الأمين ـ وهو مكة ـ فقد كان مطلع الرسالة الخاتمة لما شرع اللّه للناس ، وبها يختم الفصل الأخير من حياة الإنسان على هذه الأرض ..
وهذه كلها أقوال متقاربة ، يمكن أن يؤخذ بأيّ منها ، أو بها جميعها.
[مسيرة الإنسان .. إلى أمام ، أم وراء ؟ ]
وقوله تعالى: « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » .
هو جواب القسم ، وهو المقسم عليه ، لتوكيده ، وتقريره بالقسم.
وفى توكيد هذا الخبر ، وهو خلق الإنسان في أحسن تقويم ـ إشارة إلى كثير ممن تشهد عليهم أفعالهم بأنهم ينكرون خلقهم القويم هذا ، ولا يعرفون قدره فينزلون إلى مرتبة الحيوان ، ويسلمون قياد وجودهم إلى شهواتهم البهيمية ، غير ملتفتين إلى ما أودع الخالق فيهم من عقل حمل أمانة أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ، فضيع الإنسان هذه