فهرس الكتاب
الأمانة ، ولا كها في فمه كما تلوك البهيمة العشب .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ » .
.فلقد ردّ الإنسان بهذه الغفلة عن وجوده الحقيقي ، إلى الوراء ، منكّسا في خلقه ، حتى بلغ أدنى مراتب الحيوانية ، وصار وراء الحيوان الأعجم الذي تسيره طبيعته التي ركبت فيه ، على خلاف هذا الإنسان الذي غيّر فطرته ، وانتقل من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان ، فلم يصبح حيوانا ، ولم يعد إنسانا! يقول الأستاذ الإمام محمد عبده عن الإنسان وخلقه في أحسن تقويم ، ورده إلى أسفل سافلين: « وما أشبهه ـ أي الإنسان ـ في حاله الأولى ـ بثمرة التين ، تؤكل كلها ، لا يرمى منها شىء .. والإنسان ـ أي في حاله الأولى ـ كان صلاحا كله ، لم يشذّ عن الجماعة منه فرد ، تلك كانت أيام القناعة بما تيسر له من العيش ، وشدة الإحساس بحاجة كل فرد إلى الآخر في تحصيله ، وفى دفع العوادي عن النفس .. تنّبهت الشهوات بعد ذلك وتخالفت الرغبات ، فنبت الحسد والحقد ، وتبعه التقاطع ، واستشرى الفساد بالأنفس ، حتى صارت الأمانة عند بعض الحيوان ، أفضل منها عند الإنسان ، فانحطت بذلك نفسه عن مقامها الذي كان لها بمقتضى الفطرة ، وقد كان ذلك ـ ولا يزال ـ حال أكثر الناس. فهذا قوله: « ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ » !
ونظرة الأستاذ الإمام هنا ، قائمة على أن الإنسان في حال التذاجة والبدائية كان خيرا منه في حال الحضارة والمدينة ، أو بمعنى آخر ، أنه كان في حياة الغابة بين الحيوان ، لا يتكلف لحياته أكثر ممّا يتكلّف الحيوان ، حيث يأكل مما يأكل الحيوان ، ويسكن في كهوف ، وأجحار كما يسكن الحيوان ـ كان في هذه الحياة خيرا منه في حياة المدن ، وما ولّد له عقله فيها من قوّى سخّر بها الطبيعة ، واستخرج منها كنوزها المودعة في كيانها ، وأمسك بمفاتح أسرارها ، فاستضاء بالكهرباء ، واتخذ الهواء مركبا له ، بل وصعّد في السماء حتى وضع قدميه على القمر ، وهو بسبيل أن يضع أقدامه على الكواكب الأخرى!! ولو صحّ هذا الذي يقوله الأستاذ الإمام ، لكان معناه أن الحياة الإنسانية تسير إلى الوراء ، وهذا ما لا تسير عليه الحياة ، ولا ما تقتضيه سنّة التطور في الكائن الحىّ نفسه .. فالإنسان بدأ من طين ، ثم صار خلقا سويّا ، في أطوار ينتقل فيها من أسفل إلى أعلى .. من التراب ، ثم النطفة ، ثم العلقة ، ثم المضغة .. ثم .. ثم .. إلى أن يكون طفلا ، ثم غلاما ، ثم شابّا ، ثم رجلا .. كذلك الشأن في عالم النبات .. البذرة ، ثم النّبتة ، ثم الشجرة ، ثم الدّوحة العظيمة .. وهكذا .. حتى في عالم الجماد.
وإنه لأولى من هذا أن تكون هذه النظرة مقصورة على الأفراد في أنواعها ، لا على الأنواع في أفرادها ، بمعنى أن الأفراد تدور في فلك محدود يكون لها فيه شروق وغروب ، وصعود وهبوط ، وازدهار وذبول ، ونضج وعطب .. أما الأنواع ـ مع ما يقع في أفرادها من تحول