الصفحة 747 من 1282

فأولا: أنها نظرة محصورة في الوجود الذاتي للإنسان .. فالإنسان في نظرته إلى نفسه يرى أن واقعه الذي يعيش فيه ، غير محقّق لرضاه عنه ، أيّا كان هذا الوجود ، وأيّا كان حظّه مما لم يظفر به غيره .. إنه يتطلع دائما إلى ما هو أفضل ..

وثانيا: وتأسيسا على هذا ، أن عدم رضا الإنسان عن واقعه ، وتطلعه إلى المستقبل الذي لا يجد فيه ما يرضيه ـ هذا التطلع ـ يشرف به على عالم مجهول ، لا يدرى ما سيطلع عليه منه ، فلا يجد إلا الماضي الذي يعيش في ذكرياته ، وإنه حين ينظر إلى هذا الماضي لا يذكر منه إلّا ما كان موضع مسرّته ورضاه .. أما ما يسوءه منه فإنه يختفى من حياته ، ولهذا كان الحنين إلى الماضي رغبة منبعثة من صدور كل إنسان.

وثالثا: وتأسيسا على هذا أيضا ـ كان هذا الإحساس الذي يجده الإنسان دائما من تقديس الماضي وتمجيده ، وأنه بقدر ما يبعد الزمن في أغوار الماضي ، بقدر تعدّد ما يلبس من أثواب التقديس والتمجيد.

فالحياة بخير ، والإنسانية في طريقها من الأرض إلى السماء ، وليست في هبوط من السماء إلى الأرض!! قوله تعالى: « فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ » .

الدّين هنا ، هو ما يدين به الإنسان لخالقه الذي خلقه في أحسن تقويم ، وهو الاحتفاظ بهذه المنزلة العالية التي له في عالم المخلوقات ، بما له من عقل مبصر ، ونظرة سليمة.

والمراد بالتكذيب ، هو إنكار هذا العقل ، وعدم الإصغاء إليه.

والتخلّي عن هذه الفطرة ، وتعطيل وظيفتها.

والاستفهام إنكارى ، بكشف عن حال أولئك الذين خرجوا عن إنسانيتهم تلك ، وتحوّلوا إلى دنيا الحيوان ، بلا عقل ، ولا قلب!!

وقوله تعالى: « أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ » هو إنكار بعد إنكار ، لمن زهدوا فيما أودع الخالق فيهم من آياته ، فردّوها ، وعرّوا أنفسهم منها ، كأنهم لا يرضون بما زيّنهم اللّه به ، وكأنهم يرون أن ما صنع اللّه بهم ليس على التمام والكمال ، فهم يزهدون فيه ، ويطلبون لأنفسهم ما هو أحكم وأكمل!! فالتكذيب بالدين لا يكون من إنسان عاقل رشيد ، وإنما يكون ممن سفه نفسه وجهل قدره! [1]

وهذه الأماكن الثلاثة ، أقسم الله بها في القرآن في قوله: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } فأقسم بالتين والزيتون ، وهو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك ، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه فيها الإنجيل ، وأقسم بطور سيناء وهو الجبل الذي كلم الله موسى

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1613)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت