الصفحة 748 من 1282

وناداهُ فيه من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ، وأقسم بهذا البلد الأمين وهو مكة الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمهُ هاجر فيه . وهو الذي جعله الله حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حوله ، وجعله آمنًا خلقًا وأمرًا قدرًا وشرعًا .

ثم قال ابن تيمية: فقوله تعالى: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } إقسام منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداهُ ، وأنزل فيها كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن . كما ذكر الثلاثة في التوراة بقوله: جاء الله من طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران .

ولما كان ما في التوراة خبرًا عنها ، أخبر بها على ترتيبها الزماني ، فقدم الأسبق فالأسبق وأما في القرآن ، فإنه أقسم بها تعظيمًا لشأنها ؛ وذلك تعظيم لقدرته سبحانه وآياته وكتبه ورسله ، فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة ، فختمها بأعلى الدرجات ، فأقسم أولًا بالتين والزيتون ، ثم بطور سينين ، ثم بمكة ؛ لأن أشرف الكتب الثلاثة القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل ، وكذلك الأنبياء فأقسم بها على وجه التدريج كما في قوله: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } [ الذاريات: 1 - 4 ] ، فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة ، فأقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحاب الحاملات للمطر فإنها فوق الرياح ، ثم بالجاريات يسرًا ، وقد قيل: إنها السفن ، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله: { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس ِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } [ التكوير: 15 - 16 ] ، فسماها جوارٍ كما سمى الفلك جواري في قوله: { وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } [ الشورى: 32 ] ، والكواكب فوق السحاب ثم قال: { فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } [ الذاريات: 4 ] ، وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله .

واستظهر بعض المعاصرين أن قوله تعالى: { وَالتِّينِ } يعني به شجرة بوذا مؤسس الديانة البوذية ، التي تحرفت كثيرًا عن أصلها الحقيقي ؛ لأن تعاليم بوذا لم تكتب في زمنه وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية ، ثم كتبت بعد ذلك حينما ارتقى أتباعها .

ثم قال: والراجح عندنا ، بل المحقق إذا صح تفسيرنا لهذه الآية أنهُ كان نبيًا صادقًا ويسمى: سكياموتي ، أو جوناما ، وكان في أول أمره يأوي إلى شجرة تين عظيمة وتحتها نزل عليه الوحي ، وأرسله الله رسولًا ، فجاءه الشيطان ليفتنه هناك فلم ينجح معه . ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين ، وتسمى عندهم: التينة المقدسة ، وبلغتهم: أجابالا .

قال: ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه تعالى لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم ، فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } إلى آخر السورة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت