الصفحة 782 من 1282

هذه الآيات هي على ما جاء في حديث رواه البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها ، سنورده بعد قليل ، أولى الآيات القرآنية نزولا. ومع أن هناك روايات تذكر أن الآيات الأولى من سور أخرى مثل سور القلم والمدثر والمزمل وأن سورا أخرى مثل سورتي الفاتحة والضحى هي أول القرآن نزولا فإن أحاديث أولية هذه الآيات أقوى سندا كما أن مضمونها يلهم ترجيح هذه الأولية «1» .

وليس في هذه الآيات الواضحة العبارة أمر بالدعوة. وإنما هي تنبيه وإعداد.

ولما كانت الآيات التالية لها تتضمن مشهدا من مشاهد تصدي بعض الطغاة للنبي عليه السلام حينما بدأ بدعوته وصلاته ، فإن المعقول أن تكون هذه الآيات قد نزلت وحدها ثم نزلت آيات أو سور قرآنية أخرى فيها أمر بالدعوة ومبادئها ، وأن تكون أولية السورة في ترتيب النزول هي بسبب أولية نزول هذه الآيات.

أول قرآن نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -

وقد نزلت هذه الآيات على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلا في غار حراء أحد جبال مكة أثناء اعتكافه في هذا الغار في رمضان على ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها جاء فيه: «أوّل ما بدىء به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. ثم حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث - أي يتعبّد - فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني» . فقال: «اقرأ» ، فقلت: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ مني الجهد ثم أرسلني» فقال: «اقرأ» فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني» فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ: ما لَمْ يَعْلَمْ» «. ونزول هذه الآيات ليلا وفي رمضان مؤيد بآيات قرآنية منها آية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [185] ، وآية سورة الدخان هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) ، وآية سورة القدر هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) .

والأمر بالقراءة قصد به تلاوة ما يلقى إليه كما قصد به تنبيهه - صلى الله عليه وسلم - إلى المهمة العظمى التي انتدب إليها ، وتعليمه أن يجعل اللّه هو الفكرة الرئيسية التي تشغل ذهنه ، وأن يذكره في كل أمر من أموره دون سواه كما هو المتبادر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت