الصفحة 783 من 1282

وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وشامل للناس جميعا بالانصراف عما سوى اللّه ، وبالارتفاع بالنفس الإنسانية إلى أفق لا تتأثر فيه بقوى الدنيا ومخاوفها ، ولا ترتبط في حياتها ومعايشها ومطالبها وآمالها بغير اللّه الربّ الأكرم.

والآيات إلى هذا تنطوي على تنويه بالقراءة والكتابة والعلم ، وبالإنسان الذي اختص وحده بالقابلية لهذه النعم ، وبدء القرآن بذلك يزيد في قوة هذا التنويه ، فكأنما أريد جعل هذه النعم في مقدمة نعم اللّه التي أنعمها على الإنسان ، وفي مقدمة ما يجب على الإنسان أن يشكر اللّه عليه ويسعى في اكتسابه.

والقرآن على هذا الاعتبار أعظم وأقوى ، وأول داع ديني إلى العلم والقراءة والكتابة. وتعبير الإنسان شامل للذكر والأنثى على السواء ، وهكذا تكون الدعوة القرآنية شاملة جنسي الإنسان.

وفي هذا من الجلال والروعة ما يعلو فوق كل مستوى ، وما يدل على عظمة براعة استهلال القرآن الكريم والدعوة الإسلامية وبعد مداها ، وقوة عناصر خلودها.

ولقد احتوت سور القرآن المكية والمدنية بعد هذه السورة آيات كثيرة جدا في التنويه بالكتاب والقرآن والعلم والعلماء والحثّ على العلم والتعلّم وبيان مسؤولية أهل العلم والذكر. وهو ما يزيد من جلال هذه البراعة وعظم مداها.

والمتبادر أنه لا يقصد بالإشارة إلى خلق الإنسان من علق تقرير حقيقة تشريحية ، ولا تخصيص الإنسان وحده بالخلق من علق دون غيره من الحيوان ، وإنما قصد التنبيه على مظهر من مظاهر قدرة اللّه في نواميسه على إخراج إنسان كامل في صورته وأعضائه وحواسه من شيء تافه في مظهره المادي ، وقد اختص الإنسان بالذكر لأنه موضوع الخطاب في الآيات ، وهذا أسلوب قرآني عام. وهو الأسلوب التنبيهي الموجه إلى مختلف الطبقات في المناسبات الملائمة بما تتناوله عقولهم وحواسهم ، وبقصد الموعظة والهداية.

وبناء على هذا فلا نرى محلا ولا ضرورة إلى الاستطراد إلى حقائق تشريحية عن خلق الإنسان وتكوينه لأن ذلك ليس من أهداف الجملة القرآنية ، ونرى وجوب الوقوف عند ما ذكرناه من هدفها على ما نبهنا عليه في المقدمة.

هذا ، ولقد تعددت السور التي تبدأ بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض الأفعال والأقوال مما يمكن أن يعد أسلوبا من أساليب النظم القرآني في مطالع السور. [1]

(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 315)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت