فهرس الكتاب
ولهذا كان النبي قارئا ، فقرأ حين أقرأه جبريل: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » .
وقوله تعالى: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ » أي اقرأ بأمر ربك ، أي أن جبريل يقول: هذا الأمر الذي آمرك به ليس بأمرى ، وإنما هو بأمر ربك ، الذي يدعوك إلى أن تقرأ ما أفرئك إياه ، من كتاب ربك .. وهذا مثل قوله تعالى: « وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ » (27: الكهف) . وقوله تعالى: « فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ » (18: القيامة) .
وقوله تعالى: « الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ » ـ هو بيان لقدرة اللّه سبحانه وتعالى ، وأنه هو الخالق وحده لا شريك له ، وأنه هو الذي بقدرته خلق الإنسان ، هذا الخلق السوىّ « من علق » أي من دم لزج ، متجمد.
فالذى خلق الإنسان من هذا العلق ، وسوّاه على هذا الخلق ، لا يقف به عند هذا الحد ، بل هو سبحانه ، بالغ به منازل الكمال ، بما يفتح له من أبواب العلم والمعرفة ..
وقوله تعالى: « اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ » أي خذ ما أعطاك ربك من علم ، وما دعاك إليه من معرفة ، فإن ربك كريم واسع العطاء ، لا ينفد عطاؤه.
فقوله تعالى: « وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ » ـ جملة خبرية ، تقع موقع الحال من فاعل « اقرأ » وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي اقرأ مستيقنا أن ربك هو الأكرم .. أي ذو الفضل العظيم ، والكرم الذي لا حدود له ..
وفى تعريف طرفى الجملة الخبرية ، ما يفيد القصر ، أي قصر صفة الكرم على اللّه وحده ..
وقوله تعالى: « الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » .. أي ومن كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب ، أو الخشب ، أداة للعلم والمعرفة ، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف ، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول ، فكانت ميراثا للعلماء ، يرثها الخلف عن السلف ، وينميها ويثمرها العلماء جيلا بعد جيل .. وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم ، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه ، فتح أبوابا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده ، ويفعل فعله ، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم .. وهكذا تتسع معارف الإنسان ، ويزداد علمه على مدى الأجيال ..
وهذا يعنى أن الإنسانية متطورة ، وسائرة نحو الأمام ، بما تتوارث أجيالها من ثمار العقول ، التي يتركها السلف للخلف ، جيلا بعد جيل ..
وهكذا يذهب الناس ، كأجساد ، وتبقى غراس عقولهم ، وثمار أفكارهم.
وقوله تعالى: « كَلَّا. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى » .هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى: « عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » ..ومع أن هذه الآية وما بعدها ، قد نزلت بعد خمس الآيات