الصفحة 786 من 1282

التي افتتحت بها السورة بزمن ممتد ، إلا أن المناسبة جامعة بينها وبين ما قبلها ، وهذا هو السر في سردها في سياقها .. فقد قلنا: إن قوله تعالى: « كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى » ـ هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى: « عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » .

.والسؤال هو: هل أدّى الإنسان حق هذه النعمة التي أنعمها اللّه عليه ؟ وهل كان له من علمه هذا الذي تعلمه ، نفع له ، وللناس معه ؟ والجواب على هذا: « كلّا » .

.فإن هذا العلم الذي فتح على الناس وجوه المنافع ، وملأ أيديهم من ثمرات الحياة ، بمامكن لهم به من الأرض ، وما سخر لهم من قوى الطبيعة ـ هذا العلم ، قد فتنهم سلطانه ، وأغرى بعضهم ببعض ، فاتخذوا منه سلاحا للبغى والعدوان ، والتسلط والقهر .. وبهذا طغى الإنسان ، وتجبر وظلم ، حين رأى نفسه بمنقطع عن الناس ، مستغنيا عنهم بجاهه وسلطانه ..

وهذا مما لا يعيب العلم ، ولا ينقص من قدره .. فإنه وإن يكن استحدث به الإنسان كثيرا من أدوات الإهلاك والتدمير ، فلقد استنبط منه ما لا يحصى من النعم الجليلة التي كشفت للإنسان عن فضل اللّه وإحسانه على الناس ، كما أقام من آيات اللّه شواهد ناطقة تشهد بجلاله ، وعظمته ، وحكمته ، وتضع الناس وجها لوجه أمام أسرار هذا الكون ، وما تنطوى عليه تلك الأسرار من سعة علم اللّه ، وعظمة جلاله وقدرته ..

وفرق كبير بين الإنسان البدائى ، وبين رجل العلم في العصر الحديث ، في موقفهما إزاء الوجود ، وفى نظرتهما إلى عظمة اللّه وقدرته .. فالبدائى ينظر إلى عوالم الوجود بنظر شارد تائه ، لا يبعد كثيرا عن نظر بعض الحيوانات أمام مشرق الشمس أو مغربها .. أما رجل العصر الحديث فإنه ينفذ بنظره إلى أعماق بعيدة في الموجودات ، حيث يطلع على أسرار لانهاية لها ، يروعه جلالها ، ويبهره نظامها وإحكامها ..

وشتان بين الإنسان البدائى الذي خاف الطبيعة وظواهرها ، فعبدها ، وتخاضع بين يديها ، وبين الرجل العصرى ، الذي أمسك بزمام الطبيعة ، وسخرها لخدمته ، ونظر إليها نظرة السيد المالك لها .. ثم كان عليه بعد هذا أن يبحث عن السيد المالك له هو ، ولهذا الوجود كلّه .. وهو لا بد مستدل بعقله على خالق هذا الوجود وسيده ، وذلك هو الإيمان الذي لا زيغ معه ولا ضلال ..

ولعل هذا يفسر لنا كثرة الأنبياء والرسل في الأزمان السالفة .. ثم قلّتهم شيئا فشيئا كلما تقدم الزمن ، وتقدم معه العقل الإنسانى ، الذي يقوم مقام الرسول في الدعوة إلى اللّه ، والهداية إليه. ، ثم انقطاع الرسل والأنبياء بخاتم سيد الرسل ونبى الأنبياء ، محمد رسول اللّه ، بعد أن بلغت الإنسانية رشدها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت