الصفحة 787 من 1282

وقوله تعالى: « إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى » .هو تهديد لهذا الإنسان الذي جحد نعمة اللّه عليه ، واتخذ منها أسلحة يحارب بها الفضيلة ، ويقطع بها ما أمر اللّه به أن يوصل .. إن هذا الإنسان راجع إلى ربه يوما ، وسيلقى جزاء بغيه وعدوانه .. [1]

ووصف الرب بقوله تعالى: { الَّذِي خَلَقَ } لتذكير أول النعماء الفائضة عليه - صلى الله عليه وسلم - منه تعالى . والتنبيه على أن من قدر على خلق الْإِنْسَاْن على ما هو عليه من الحياة ، وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية ، من مادة لم تشم رائحة الحياة فضلًا عن سائر الكمالات ، قادر على تعليم القراءة للحي العالم المتكلم ، أي: الذي أنشأ الخلق واستأثر به أو خلق كل شيء

وقال الإمام: ترى من سياق الرواية التي قدمناها أن المتبادر من معنى الآية الأولى: كن قارئًا باسم الله من قبيل الأمر التكويني . فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قارئًا ولا كاتبًا ؛ ولذلك كرر القول مرارًا: < ما أنا بقارئ > . وبعد ذلك جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئًا وإن لم يكن كاتبًا ، فإنهُ سينزل عليه كتاب يقرؤه وإن كان لا يكتبه . ولذلك وصف الرب بالذي خلق ، أي: الذي أوجد الكائنات التي لا يحيط بها الوصف ، قادر أن يوجد فيك القراءة وإن لم يسبق لك تعلمها ؛ لأنك لم تكن تدري ما الكتاب . فكأن الله يقول: كن قارئًا بقدرتي وبإرادتي . وإنما عبر بالاسم ، لأنه كما سبق في سورة سبّح ، دال على ما تعرف به الذات ، وخلق القراءة يلفتك إلى الذات وصفاتها جميعًا ، لأن القراءة علم في نفس حية ؛ فهي تخط ببالك من الله وجودهُ وعلمه وقدرته وإرادته .

أما إذا حملنا الأمر على التكليف وقلنا: إن المعنى أنك مأمور إذا قرأت أن تقرأ باسم الله - وهو خلاف المتبادر - فيكون معنى ذلك: إذا قرأت فاقرأ دائمًا على أن تكون قراءتك عملًا تنفذه لله لا لغيره ، فلو فرض أنهُ قرأ وجعل قراءتهُ لله لا لأحد سواه ولم يذكر الاسم ، فهو قارئ باسم الله ، وإنما طلبت التسمية باللسان لتكون منبهة للضمير في بداية كل عمل ، إلى أن يرجع إلى الله في ذلك العمل . ويلاحظ أنه يعمل لاسمه لا لاسم غيره سبحانه . انتهى . وهو جيد .

قال الإمام: أي: ومن كان قادرًا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانًا ، وهو الحيّ الناطق الذي يسود بعلمه على سائر المخلوقات الأرضية ، ويسخرها لخدمته ، يقدر أن يجعل من الْإِنْسَاْن الكامل مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - قارئًا ، وإن لم يسبق له تعلم القراءة . وجاء بهذه الآية بعد سابقتها ، ليزيد المعنى تأكيدًا ، كأنه يقول لمن كرر القول أنه ليس بقارئ: أيقن أنك قد صرت قارئًًا بإذن ربك الذي أوجد الكائنات ، وما القراءة إلا واحدة منها . والذي أنشأ الْإِنْسَاْن خلقًا كاملًا من دم جامد

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1622)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت