فهرس الكتاب
لا شكل فيه ولا صورة . وإنما القراءة صفة عارضة على ذلك الْإِنْسَاْن الكامل ، فهي أولى بسهولة الإيجاد ، ولما كانت القراءة من الملكات التي لا تكسبها النفس إلا بالتكرار ، والتعوّد على ما جرت به العادة في الناس ، ناب تكرار الأمر الإلهي عن تكرار المقروء ، في تصييرها ملكة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلهذا كرر الأمر بقوله: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } وجملة { وَرَبُّكُ } إلخ استئنافية لبيان أن الله أكرم من كل من يرتجي منه الإعطاء ، فيسيرٌ عليه أن يفيض عليك هذه النعمة ، نعمة القراءة من بحر كرمه . ثم أراد أن يزيده اطمئنانًا بهذه الموهبة الجديدة ، فوصف مانحها بأنه { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } أي: أفهم الناس بواسطة القلم كما أفهمهم بواسطة اللسان . والقلم آلة جامدة لا حياة فيها ، ولا من شأنها في ذاتها الإفهام ؛ فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان ، ألا يجعل منك قارئًا مبيّنًا وتاليًا معلمًا وأنت إنسان كامل ؟ ثم أراد أن يقطع الشبهة من نفسه ، ويبعد عنه استغراب أن يقرأ ولم يكن قارئًا ، فقال: { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } أي: أن الذي صدر أمرهُ بأن تكون قارئًا ، وأوجد فيك ملكة القراءة والتلاوة ، وسيبلغك فيها مبلغًا لم يبلغهُ سواك ، هو الذي علم الْإِنْسَاْن جميع ما هو متمتع به من العلم ، وكان في بدء خلقه لا يعلم شيئًا ، فهل يستغرب من هذا المعلِّم الذي ابتدأ العلم للإنسان ولم يكن سبق له علم بالمرة ، أن يعلمك القراءة وعندك كثير من العلوم سواها ونفسك مستعدة بها لقبول غيرها ؟ انتهى .
قال الإمام ابن القيم في"مفتاح دار السعادة"في مباحث عجائب الْإِنْسَاْن وما خلقه من الحكم: ثم تأمل نعمة الله على الْإِنْسَاْن بالبيانين: البيان النطقي والبيان الخطي ، وقد اعتد بهما سبحانه في جملة ما اعتد به من نعمة على العبد ، فقال في أول سورة أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَق ٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم ُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فتأمل كيف جمع في هذه الكلمات مراتب الخلق كلها ، وكيف تضمنت مراتب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه ، فذكر أولًا عموم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارجي ، ثم ذكر ثانيًا خصوص خلق الْإِنْسَاْن لأنه موضع العبرة . والآية فيه عظيمة ، ومن شهوده عما فيه محض تعداد النعم . وذكر مادة خلقه هاهنا من العلقة . وفي سائر المواضع يذكر ما هو سابق عليها .
أما مادة الأصل وهو التراب والطين أو الصلصال الذي كالفخار ، أو مادة الفرع وهو الماء المهين ، وذكر في هذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقة ؛ فإنه كان قبلها نطفة فأول انتقالها إنما هو إلى العلقة ، ثم ذكر ثالثًا التعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده ؛ إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس ، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين ، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض