فهرس الكتاب
قال الرازي: في قوله: { بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة . وفي قوله: { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل على معرفتها إلا بالسمع ، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية . والثاني إلى النبوّة . وقدم الأول على الثاني تنبيهًا على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة ، وأما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية . دلت الآية على قاعدة عظيمة في باب التموّل المحمود ، قررها الحكماء المصلحون ، وهو أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير . قالوا: لأن إفراط الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الْإِنْسَاْن ، كما نطقت به الآية الكريمة .
قال بعض الحكماء: التحول لأجل الحاجات وبقدرها ، محمود بثلاثة شروط ، وإلا كان حرص التمول من أقبح الخصال:
الشرط الأول: أن يكون إحراز المال بوجه مشروع حلال ، أي: إحرازه من بذل الطبيعة أو بالمعارضة أو في مقابل عمل .
والشرط الثاني: أن لا يكون في التمول تضييق على حاجات الغير ، كاحتكار الضروريات ، أو مزاحمة الصناع والعمال الضعفاء ، أو التغلب على المباحات ، مثل امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحًا لكافة مخلوقاته . وهي أمهم ترضعهم لبن جهازاتها وتغذيهم بثمراتها وتؤويهم في حضن أجزائها .
الشرط الثالث: لجواز التمول هو أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير ، وإلا فسدت الأخلاق . ولذلك حرمت الشرائع السماوية كلها ، والحكمة السياسية والأخلاقية والعمرانية أكل الربا ؛ وذلك لقصد حفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة المالية ؛ لأن الربا كسب بدون مقابل ماديّ ، ففيه معنى الغضب ، وبدون عمل ، ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق ، وبدون تعرض لخسائر طبيعية كالتجارة والزراعة والأملاك . دع أن بالربا تربو الثروات ، فيختل التساوي بين الناس ، كما تقدم بيانه في أواخر سورة البقرة . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-تقرير الوحي الإِلهي وإثبات النبوة المحمدية .
2-مشروعية ابتداء القراءة بذكر اسم الله ولذا افتتحت سور القرآن ما عدا التوبة ببسم الله الرحمن الرحيم .
3-بيان لطور النطفة في الرحم إلى علقة ومنها يتخلق الإِنسان .
4-إعظام شأن الله تعالى وعظم كرمه فلا أحد يعادله في الكرم .
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 266)