عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا دَخَل الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ [1] ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ إِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ [2] .
وَيَكُونُ إِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُول فِيهَا ؟ قَال: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي [3] ، قَال ابْنُ عَلاَّنَ: بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَهَمَّ الْمَطَالِبِ انْفِكَاكُ الإِْنْسَانِ مِنْ تَبَعَاتِ الذُّنُوبِ وَطَهَارَتُهُ مِنْ دَنَسِ الْعُيُوبِ ، فَإِنَّ بِالطَّهَارَةِ مِنْ ذَلِكَ يَتَأَهَّل لِلاِنْتِظَامِ فِي سَلْكِ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [4] .
اخْتِصَاصُ الأُْمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَاصَّةٌ بِالأُْمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ تَكُنْ فِي الأُْمَمِ السَّابِقَةِ [5] ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَقُول: إِنَّ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَل مِثْل الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُول الْعُمُرِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، [6] وَبِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلاَحَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ قَالَ فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: « فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُالْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) » . الَّتِى لَبِسَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلاَحَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ." [7] ."
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ كَانَتْ فِي الأُْمَمِ السَّابِقَةِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفِي كُلِّ رَمَضَانَ هِي ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، قُلْتُ: أَفَتَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِذَا رُفِعُوا رُفِعَتْ أَوْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ:"لَا بَلْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ
(1) - أخرجه البخاري ( فتح الباري 4 / 269 ) ومسلم ( 2 / 832 ) واللفظ لمسلم
(2) - أخرجه البخاري ( فتح الباري 4 / 255 ) من حديث أبي هريرة
(3) - أخرجه الترمذي ( 5 / 534 ) (3855 ) وقال: حديث حسن صحيح
(4) - مغني المحتاج 1 / 450 ، دليل الفالحين 3 / 654 ، ابن عابدين 2 / 137 ، فتح الباري 4 / 255 وما بعدها .
(5) - فتح الباري 4 / 263 ، والمجموع 6 / 447 - 448 ، والفواكه الدواني 1 / 378 .
(7) - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (4 / 306) (8785) صحيح مرسل