ولا شك أن إبقاء الله لنبيه على الأمية كان لحكمة عظيمة، قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: (رسولًا منهم) يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نسبه من نسبهم، وهو من جنسهم، كما قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) [التوبة:128] قال أهل المعاني: وكان هو - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أميًا مثل الأمة التي بعث فيهم، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه. التفسير الكبير (10538) للرازي.
ومن الآيات التي تشير إلى الحكمة من كونه أميًا قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) [العنكبوت:48] قال ابن عاشور: (هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودلالتها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة، وقد ورد الاستدلال بها في مواضع كقوله:(ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) [الشورى:52] وقوله: (فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون) [يونس:16] . ومعنى: (ما كنت تتلو من قبله من كتاب) إنك لم تكن تقرأ كتابًا حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل.
(ولا تخطه) أي لا تكتب كتابًا، ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما: التعلم بالقراءة، والتعلم بالكتابة، استقصاء في تحقيق وصف الأمية... (بل هو آيات بينات في صدور الذي أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) [العنكبوت:49] .. أي بل القرآن آيات ليست مما كان يتلى قبل نزوله، بل هو آيات في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - . فالمراد من (صدور الذين أوتوا العلم) صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - عبر عنه بالجمع تعظيمًا له، والعلم الذي أوتيه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو النبوة ) التحرير والتنوير (10/12) .
ويحسن بنا هنا أن نشير إلى جواب سؤال مهم وهو: هل ظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أميته إلى أن توفي؟ أم تعلم القراءة والكتابة بعد أن بعث بفترة؟ وهل قرأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كتابًا؟ وهل كتب بيده الشريفة - صلى الله عليه وسلم - ؟
وللجوابعن هذا السؤال نقول: نقل الإمام النووي عن القاضي عياض الخلاف في ذلك، وعزى إليه أن الباجي وغيره ذهبوا إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى كتب، كما في قصة صلح الحديبية من رواية البخاري وفيه:"أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب، فكتب"وزاد عنه في طريق آخر"ولا يحسن أن يكتب فكتب"قالوا: وهذا لا يقدح في أميته. بينما ذهب الأكثرون إلى منع ذلك كله.